القرية التي لا يتذكرها أحد

# القرية التي لا يتذكرها أحد
كان ياسين يعمل في تصوير الأفلام الوثائقية، وكان دائمًا ينجذب إلى الأماكن الغريبة التي لا يعرف عنها الناس الكثير.
في أحد الأيام، تلقى رسالة من صديقه حسام، الذي كان يقوم برحلة إلى منطقة جبلية بعيدة.
كانت الرسالة قصيرة جدًا:
**"لقيت قرية مش موجودة على أي خريطة. لو وصلت لها، متسألش السكان عن اسمها."**
بعدها اختفى حسام.
مرت ثلاثة أيام دون أي اتصال.
قرر ياسين البحث عنه.
استخدم آخر موقع أرسله حسام، واستقل سيارة واتجه إلى الجبال.
بعد ساعات طويلة من القيادة، وجد طريقًا ترابيًا ضيقًا لم يكن ظاهرًا على تطبيق الخرائط.
تابع الطريق.
مع غروب الشمس، ظهرت أمامه مجموعة من البيوت القديمة.
كانت قرية كاملة وسط الجبال.
توقف ياسين ونظر إليها بدهشة.
أخرج هاتفه.
لا توجد شبكة.
فتح تطبيق الخرائط.
لم يجد شيئًا.
لا قرية.
لا طريق.
لا حتى اسم للمنطقة.
نزل من السيارة.
في مدخل القرية كانت هناك لافتة خشبية قديمة.
اقترب منها.
لكن اللافتة كانت فارغة.
لم يكن عليها أي حرف.
دخل ياسين.
كان أول شيء لاحظه أن القرية تبدو وكأن الزمن توقف فيها.
الأبواب مفتوحة.
المصابيح مضاءة.
أكواب فوق الطاولات.
لكن لا أحد في الشوارع.
ثم ظهر رجل عجوز من أحد البيوت.
اقترب منه ياسين وقال:
“لو سمحت، أنا بدور على واحد اسمه حسام.”
ظل الرجل صامتًا.
ثم سأله:
“إنت فاكر اسمك؟”
ضحك ياسين معتقدًا أن الرجل يمزح.
“طبعًا.”
قال الرجل:
“كويس.”
ثم أغلق الباب.
بدأ ياسين يشعر بالغرابة.
بحث عن مكان للنوم، فوجد منزلًا صغيرًا مهجورًا.
دخل ووضع حقيبته.
وقبل أن ينام، سمع صوت خطوات في الخارج.
اقترب من النافذة.
رأى مجموعة من الأشخاص يمشون في الشارع.
كانوا جميعًا يرتدون ملابس داكنة.
والأغرب أنهم كانوا يمشون ببطء شديد، دون أن يتحدث أحد.
في منتصف الليل، سمع طرقًا على الباب.
**دق… دق… دق.**
لم يفتح.
جاء صوت امرأة:
“ياسين؟”
تجمد.
لم يخبر أحدًا في القرية باسمه.
قال الصوت:
“افتح… حسام هنا.”
اقترب ياسين من الباب.
ثم توقف.
تذكر رسالة حسام:
**"متسألش السكان عن اسمها."**
لم يفتح.
ظل الصوت يكرر:
“ياسين… افتح.”
حتى اختفى فجأة.
في الصباح، خرج ياسين.
وجد امرأة عجوزًا تجلس أمام منزل.
سألها:
“إنتي تعرفي حسام؟”
قالت:
“كلنا بنعرفه.”
“فينه؟”
أشارت إلى آخر القرية.
“هناك.”
توجه ياسين إلى المكان.
وجد مبنى حجريًا كبيرًا يشبه المدرسة القديمة.
دخل.
كانت الجدران مليئة بصور.
صور لأشخاص عاشوا في القرية.
اقترب ياسين من إحدى الصور.
كان مكتوبًا تحتها اسم وتاريخ.
ثم صورة أخرى.
ثم أخرى.
كلها لأشخاص مختلفين.
حتى رأى صورة حسام.
كان واقفًا أمام المدرسة.
وتحت الصورة:
**"حسام — وصل في 2026."**
شعر ياسين بالقلق.
ثم وجد صورة أخرى.
تحتها:
**"ياسين — وصل في 2026."**
لكن الصورة كانت له.
كان واقفًا أمام نفس المبنى.
وفي الصورة كان يبدو أكبر سنًا.
اقترب أكثر.
خلفه كان يقف رجل.
عرفه فورًا.
كان حسام.
لكن حسام في الصورة كان يبدو أكبر بعشرين سنة.
تراجع ياسين.
وفجأة سمع صوتًا خلفه:
“إنت لسه فاكر كل حاجة.”
استدار.
كان حسام.
لكن وجهه كان شاحبًا ومتعبًا.
قال ياسين:
“إنت عايش!”
أجاب حسام:
“لسه.”
“يعني إيه لسه؟”
نظر حسام إلى الصور.
“القرية دي مش بتقتل الناس.”
سأل ياسين:
“أمال بتعمل إيه؟”
قال حسام:
“بتاخد ذكرياتهم.”
ثم أضاف:
“كل يوم هنا بياخد منك ذكرى.”
ضحك ياسين بتوتر.
“طب نخرج.”
هز حسام رأسه.
“أنا حاولت.”
“ومعرفتش؟”
“في البداية كنت فاكر الطريق.”
صمت.
“بعدها نسيت اسم المدينة.”
ثم:
“نسيت شغلي.”
ثم:
“نسيت شكل بيتي.”
نظر ياسين إليه بخوف.
قال حسام:
“النهارده نسيت اسم أمي.”
بدأ ياسين يشعر أن القرية تحاصره.
أمسك هاتفه.
كانت صوره ما تزال موجودة.
فتح صورة لعائلته.
نظر إليها.
حاول تذكر اسم الشخص الموجود فيها.
لم يستطع.
ارتجفت يده.
قال حسام:
“بدأت.”
سمعا صوت جرس في وسط القرية.
**دونغ…**
قال حسام:
“لازم نمشي قبل الجرس الثالث.”
ركضا نحو الطريق الذي جاء منه ياسين.
لكن الطريق اختفى.
بدلًا منه كان هناك صف من البيوت.
قال ياسين:
“الطريق كان هنا!”
أجاب حسام:
“القرية بتغير شكلها.”
ركضا في اتجاه آخر.
كل شارع كان يعيدهما إلى وسط القرية.
ثم بدأ سكان القرية يظهرون من البيوت.
كانوا يقفون على جانبي الطريق.
كلهم ينظرون إلى ياسين.
ولا أحد يتكلم.
ثم قالت امرأة:
“مين ده؟”
رد رجل:
“مش عارف.”
قالت أخرى:
“يمكن كان هنا قبل كده.”
بدأوا يرددون:
“مش فاكرين… مش فاكرين…”
غطى ياسين أذنيه.
لكن أصواتهم أصبحت أقرب.
ثم سمع صوتًا يعرفه.
صوت والدته.
“ياسين.”
رفع رأسه.
كانت واقفة وسط الناس.
قالت:
“تعال يا ابني.”
توقف.
كان يعرف أن والدته ليست هنا.
لكن الصوت كان حقيقيًا.
اقترب خطوة.
صرخ حسام:
“دي مش أمك!”
توقف ياسين.
بدأ وجه المرأة يتغير تدريجيًا.
ثم أصبحت تشبهه.
قالت بصوته:
“إنت عارف إنك مش هتخرج.”
ثم بدأ الجرس يدق للمرة الثانية.
**دونغ…**
تغيرت القرية.
اختفت البيوت.
وظهر ممر طويل مليء بالأبواب.
كل باب يحمل اسمًا.
وجد ياسين بابًا يحمل اسمه.
فتح الباب.
كانت غرفته في منزله.
لكن كل شيء فيها كان قديمًا جدًا.
على المكتب وجد دفترًا.
فتحه.
كانت الصفحات مليئة بكتابته.
قرأ أول سطر:
**"اليوم الأول: وصلت إلى القرية."**
قلب الصفحة.
**"اليوم السابع: نسيت اسم حسام."**
ثم:
**"اليوم الثالث عشر: نسيت لماذا جئت."**
ثم:
**"اليوم التاسع والعشرون: لم أعد أعرف من أنا."**
توقف.
قال:
“أنا… كتبت ده؟”
ظهر حسام خلفه.
قال:
“أيوه.”
“إمتى؟”
“من زمان.”
نظر ياسين إلى آخر صفحة.
كان عليها تاريخ قديم.
**2018.**
تراجع.
“بس أنا جيت هنا النهارده!”
قال حسام:
“دي المشكلة.”
ثم أعطاه مرآة صغيرة.
نظر ياسين فيها.
لم يرَ وجهه.
رأى رجلًا أكبر سنًا يقف داخل القرية.
كان هو.
لكن شعره أبيض.
وجهه متعب.
وعيناه تحملان سنوات طويلة من الخوف.
ثم سمع صوت الجرس للمرة الثالثة.
**دونغ…**
اختفت المرآة.
واختفى حسام.
وجد ياسين نفسه واقفًا عند مدخل القرية.
كانت الشمس مشرقة.
سيارته موجودة.
هاتفه يعمل.
نظر حوله.
لم تكن هناك قرية.
فقط طريق جبلي فارغ.
تنفس براحة.
ركب سيارته وغادر.
بعد ساعات، وصل إلى المدينة.
ذهب مباشرة إلى منزله.
فتح الباب.
دخل.
كل شيء كان طبيعيًا.
لكن على الطاولة كان هناك ظرف.
فتحه.
وجد بداخله صورة.
كانت صورته أمام القرية.
خلفه وقف حسام.
وبجانبه عشرات الأشخاص.
قلب الصورة.
وجد جملة:
**"شكرًا لأنك خرجت."**
ثم سطرًا آخر:
**"لكن لا تقلق… القرية خرجت معك."**
في تلك اللحظة، سمع ياسين صوتًا من غرفة النوم.
صوت حسام:
“ياسين؟”
تجمد مكانه.
ثم جاء صوت آخر.
صوت والدته:
“يا ابني، تعالى.”
ثم صوت ثالث.
صوته هو:
“ماتروحش.”
اقترب من المرآة الموجودة في الصالة.
نظر إليها.
هذه المرة ظهر وجهه طبيعيًا.
لكنه لاحظ شيئًا خلفه.
كان هناك شارع كامل.
بيوت.
مصابيح.
أشخاص واقفون في النوافذ.
وفي نهاية الشارع كانت اللافتة الخشبية التي رآها عند مدخل القرية.
لكنها لم تعد فارغة.
كان مكتوبًا عليها:
**"أهلًا بك في بيتك."**
وفي صباح اليوم التالي، وجد الجيران باب منزل ياسين مفتوحًا.
لم يجدوا أحدًا.
لكنهم سمعوا أصواتًا كثيرة تأتي من الداخل.
أصوات أشخاص يضحكون ويتحدثون.
وعندما دخل أحدهم، وجد المنزل فارغًا تمامًا.
فقط على الحائط كانت هناك صورة جديدة.
صورة لقرية وسط الجبال.
وفي مقدمة الصورة كان يقف ياسين.
لكن هذه المرة لم يكن ينظر إلى الكاميرا.
كان ينظر إلى شخص يقف خارج إطار الصورة.
وكان يبتسم.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت القرية تظهر في أماكن مختلفة.
على خرائط الهواتف.
في صور الأقمار الصناعية.
وأحيانًا خلف الأشخاص في الصور.
لكن الغريب أن كل شخص يراها مرة واحدة فقط…
**وفي المرة الثانية، تكون القرية أقرب.**
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق