حارس الارشيف الملعون
حارس
الأرشيف الملعون:سر السرداب رقم ٧
لم يكن "يوسف" يؤمن بالأساطير المحلية التي يتداولها سكان البلدة حول المبنى القديم للمكتبة الوطنية. كان المبنى عبارة عن قصر أثري يعود للقرن التاسع عشر، جدرانه الحجرية الضخمة وسقوفه العالية تمنحه هيبة ووقارًا، لكنها تمنحه أيضًا برودة غريبة لا تختفي حتى في أشد أيام الصيف حرارة. عندما قُبل يوسف في وظيفة "حارس الأرشيف الليلي"، اعتبرها فرصة مثالية؛ راتب ممتاز، وهدوء تام يتيح له القراءة واستكمال دراسته الجامعية. كان عمله ينحصر في فحص الممرات، والتأكد من إغلاق النوافذ، ومراقبة السرداب السفلي حيث تُحفظ المخطوطات النادرة التي لم تُفتح منذ عقود.
التحذير الأول في يومه الأول
، تسلم يوسف مفاتيح المبنى من المشرف العجوز "عم شاكر". كان الرجل يبدو منهكًا، وعيناه تحملان نظرة قلق غامضة. التفت تعم شاكر إلى يوسف قبل مغادرته وقال بنبرة حازمة:"يا بني، هذا المكان آمن ما دمت تلتزم بحدودك. تجول في الممرات كما تشاء، لكن إذا نزلت إلى السرداب السفلي، إياك أن تقترب من الباب الحديدي الأسود في نهاية الممر الأيمن. السرداب رقم ٧ يجب أن يظل مغلقًا. وإذا سمعت خلفه أي صوت... لا تستمع، لا تجب، واصعد فورًا."ضحك يوسف في سره مستبعدًا هذه الخرافات، واعتبرها مجرد محاولة من رجل عجوز لإخافة الموظف الجديد ليظل مستيقظًا طوال الليل.
الليلة الأولى وسكون القبربدأت الوردية الليلية في تمام الساعة العاشرة مساءً. غادر الجميع وأُغلق الباب الخارجي الضخم. ساد صمت مطبق في أرجاء القصر، صمت كان ثقيلاً لدرجة أن يوسف كان يسمع صوت أنفاسه ودقات قلبه. مضت الساعات الأولى بسلام؛ جلس يوسف في مكتبه يقرأ، وكل ساعتين يقوم بجولة روتينية مستخدمًا مصباحه اليدوي. كان الضوء يتراقص على رفوف الكتب الضخمة، صانعًا ظلالاً غريبة تشبه أشخاصًا يتحركون، لكن يوسف كان يتغلب على خوفه بالابتسام وتذكير نفسه بأنه متعلم ولا يصدق الأوهام.
دقات منتصف الليل وبداية اللعنة
مع دقات الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تغير كل شيء. شعر يوسف فجأة ببرودة قارسة مفاجئة في الغرفة، لدرجة أن أنفاسه بدأت تخرج على شكل بخار أبيض. في تلك اللحظة، سمع صوتًا خافتًا يأتي من مكبرات الصوت الخاصة بنظام المراقبة الداخلي. لم يكن صوت تشويش عادي، بل كان أشبه بصوت تقليب صفحات كتاب بسرعة كبيرة، يليه صوت خطوات ثقيلة ومتباعدة.ألقى نظرة على شاشات المراقبة، لكن الكاميرات الخاصة بالسرداب السفلي كانت تعرض شاشات سوداء مليئة بالتشويش. تذكر تحذير عم شاكر، وشعر بوخزة خوف حقيقية في صدره. لكن فضوله الأكاديمي وحبه للاستكشاف كانا أقوى. أمسك بمصباحه اليدوي وهراوته، وتوجه نحو السلم الحجري المؤدي إلى السرداب.
الهبوط إلى الظلام
كان السلم ضيقًا ورطبًا، وكلما هبط خطوة، زادت الرائحة العفنة، رائحة ورق قديم مختلط بشيء يشبه اللحم المتحلل. وصل يوسف إلى الممر السفلي، كان المصباح يقطع الظلام الدامس بصعوبة. مشى ببطء حتى وصل إلى نهاية الممر الأيمن، وهناك وجد الباب الحديدي الأسود: "السرداب رقم ٧". كان الباب مغطى بسلاسل حديدية ضخمة مصبوغة باللون الأحمر، وكأنها طقس لمنع شيء ما من الخروج.فجأة، توقفت الأصوات. ساد هدوء تام. اقترب يوسف بفضول ووضع أذنه على الباب الحديدي البارد. في البداية لم يسمع شيئًا، ولكن بعد ثوانٍ، سمع صوت نفس عميق وهادئ خلف الباب مباشرة، وكأن شخصًا يقف في الجانب الآخر تمامًا ويفصله عنه سنتيمترات قليلة. ثم جاء الصوت... لم يكن صراخًا أو عويلًا، بل كان همسًا ناعمًا وبصوت يشبه صوته هو تمامًا:"يوسف... المفتاح في جيبك الأيمن... افتح لنا، لقد سئمنا الظلام."
الفخ والهروب المستحيل
تراجع يوسف للخلف برعب، وسقط المصباح من يده لينطفئ، غارقًا في ظلام دامس لا يرى فيه كفه. تلمس جيبه الأيمن بذهول، وصعق عندما وجد مفتاحًا قديمًا غريب الشكل لم يكن موجودًا معه من قبل! بدأت السلاسل الحديدية على الباب تتحرك وتتأرجح بقوة من تلقاء نفسها، وتصدر صريرًا مرعبًا. بدأ الباب يهتز وكأن شيئًا ضخمًا يضربه من الداخل بعنف.تلمس يوسف الجدران بيأس محاولاً العثور على طريق العودة إلى السلم، وكانت دموع الرعب تملأ عينيه. سمع صوت انكسار القفل الحديدي خلفه، وصوت الباب وهو يفتح ببطء. التفت غريزيًا، ورغم الظلام، استطاع رؤية كتلة من الظلام الداكن تتحرك نحو الخروج، كتلة مليئة بعيون مضيئة حمراء وجوه مألوفة لأشخاص اختفوا من البلدة منذ سنوات.ركض يوسف بأقصى سرعة، صاعدًا السلم الحجري بينما كانت الأصوات تلاحقه وتهمس باسمه من كل حدب وصوب. وصل إلى المطبخ العلوي وأغلق الباب خلفه، وجلس يبكي بانتظار خيوط الفجر الأولى. في الصباح، استقال يوسف ولم يعد للمكتبة أبدًا، لكنه حتى اليوم، كلما نظر في المرآة في تمام الساعة الثانية ليلاً، يرى في عينيه انعكاس السرداب رقم ٧، ويسمع صوته يهمس له من الداخل: “لقد تركت بابنا مفتوحًا...”