همسات في ظلام بيت القاضي

همسات في ظلام بيت القاضي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

همسات في ظلام بيت القاضي

image about همسات في ظلام بيت القاضي

هناك أماكن لا تطؤها أقدام البشر مرتين، ليس لأنها مجرد مبانٍ مهجورة أكل عليها الدهر وشرب، بل لأنها حية بأساليب لا يستوعبها العقل البشري مطلقاً. كان بيت "القاضي العتيق" القابع على أطراف القرية يهمس لكل من يمر بجواره، يمارس غواية غامضة تجبرك على النظر إليه وتأمل نوافذه المحطمة، رغم الهالة المظلمة الخانقة التي تطوق جدرانه الصامتة وتزرع الرعب والرهبة في قلوب العابرين.

انتقلتُ إليه في ليلة خريفية باردة، تساقطت فيها الأوراق اليابسة كأنها نذير شؤم. لم أكن أؤمن يوماً بأساطير القرى ولا بالخرافات التي يتداولها كبار السن، واعتبرتُ حديث الأهالي عن اختفاء سكانه السابقين في ظروف غامضة مجرد مبالغات لمثيري الشائعات. لكن، مع إغلاق الباب الخشبي الضخم خلفي وصدور ذلك الصفير الحاد، شعرتُ وكأنني أغلقتُ الباب على العالم الخارجي بأكمله، ودخلتُ مسلوب الإرادة في أسر تجويف زمني مظلم لا يرحم.

جلستُ في الصالة القديمة عندما حلت الساعة الثالثة فجراً. الصمت في ذلك المكان لم يكن مجرد غياب للصوت، بل كان كائناً ثقيلاً غير مرئي يجلس على صدري ويكتم أنفاسي. وفجأة، في منتصف ذلك السكون المريب، سمعتُها.. همسات خافتة وغير مفهومة تتصاعد تدريجياً من داخل الخشب الأثري للجدران، كأنها أنفاس متلاحقة لعدة أشخاص تتنفس بالقرب من أذني مباشرة!

قفزتُ من سريري بفزع، وأضاءتُ شعلة المصباح الخافتة أركان الغرفة المظلمة. تطلعتُ بنظرات مرتعشة نحو المرآة الضخمة ذات الإطار النحاسي المزخرف في زاوية الغرفة، وهناك توقف قلبي عن النبض لثوانٍ معدودة.. لم يكن انعكاسي هو المشهد المعكوس في الزجاج! بل كان ظلاً أسود شاهق الطول يقف في نقطتي تماماً، وبدلاً من ملامح وجهي، كانت هناك حدقتان فارغتان ومظلمتان ينبعث منهما صديد من البرودة التي جمدت الدماء في عروقي.

حاولتُ التراجع للوراء، لكن الصدمة الشديدة شلت حركتي وجعلت أقدامي كالمسامير في الأرض. وما زاد الرعب إثارة للجنون، أن الظل بدأ يمد يده ببطء نحو السطح الزجاجي للمرآة.. ولم يرتطم به! بل اخترق الزجاج بسلاسة كما يخترق السكين قالب السمن، وكأن الزجاج تحول فجأة إلى سائل أسود متحرك. انخفضت حرارة الغرفة إلى ما دون الصفر في لحظات معدودة، وتحولت الهمسات الخافتة إلى صراخ مكتوم مرعب يتردد صداه في جنبات جمجمتي.

لم أفكر لثانية واحدة ولم أتردد.. أطلقتُ لسيقاني الريح، ودفعتُ الباب الخشبي الخارجي بكل ما أوتيت من قوة، وركضتُ في الظلام الدامس تحت المطر الهادر، لا ألتفت خلفي إطلاقاً حتى وصلتُ وأنا ألهث إلى مركز القرية حيث الأضواء والناس.

لم يتفاجأ أحد من كبار السن عندما رأوني بتلك الحالة الفزعة والمرتعدة، بل تقدم إليّ أحدهم وقال لي بنبرة حادة وصوت أبح: "ذلك البيت ليس حابساً لشبح يا بني.. بل هو فم مفتوح من العالم الآخر ينتظر بلهفة شديدة من يدخله باختياره!".

اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على تلك الليلة المروعة، ما زلتُ أستيقظ مذعوراً كل ليلة عند الساعة الثالثة فجراً؛ لا لأني ما زلتُ في ذلك البيت اللعين، بل لأني كلما لمحتُ انعكاسي في أي مرأة حول العالم.. أرى ذلك الظل يقف خلفي مباشرة، يبتسم ببرود قاتل، وينتظر بفارغ الصبر لحظة الاختراق القادمة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Sama تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

5

مقالات مشابة
-