المفتاح الذي يدور وحده
الليلة الأولى
كانت نور تحب الشقق الجديدة.
ليس لأنها أجمل، بل لأنها تمنحها شعورًا بأنها تبدأ من الصفر.
بعد أسبوع طويل من نقل الصناديق وترتيب الأثاث، جلست أخيرًا على الأرض وسط غرفة المعيشة، تنظر حولها برضا.
الشقة كانت في الطابق السادس من عمارة قديمة نسبيًا، لكنها هادئة ونظيفة.
الشيء الوحيد الذي لم تحبه كان صوت المصعد.
كان يصدر طنينًا معدنيًا غريبًا كلما صعد إلى الطابق السادس.
في الليلة الأولى، استيقظت نور على صوت واضح.
طَق.
فتحت عينيها.
ثم جاء الصوت مرة أخرى.
طَق… طَق.
كان صوت مفتاح يدخل في قفل الباب.
جلست على السرير.
توقفت الأنفاس للحظة.
ثم سمعت صوت المفتاح وهو يدور ببطء.
اقتربت نور من باب الشقة ونظرت من العين السحرية.
الممر فارغ.
لا أحد.
ابتعدت عن الباب وهي تحاول إقناع نفسها أن أحد الجيران أخطأ في الشقة.
عادت إلى غرفتها.
وبعد ثوانٍ…
سمعت صوت المفتاح مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان الصوت قادمًا من داخل الشقة.
الصوت المسجل
في الصباح، أخبرت نور صديقتها بما حدث.
ضحكت صديقتها وقالت:
“يمكن العمارة قديمة، الأصوات فيها بتتنقل.”
هزت نور رأسها.
ربما كانت محقة.
لكن في أثناء إعداد القهوة، لاحظت شيئًا غريبًا.
تطبيق التسجيل الصوتي في هاتفها كان مفتوحًا.
وكان هناك تسجيل جديد.
مدته دقيقة واثنتان وعشرون ثانية.
لم تتذكر أنها سجلت شيئًا.
شغلته.
في البداية لم تسمع سوى صوت تنفسها أثناء النوم.
ثم جاء صوت آخر.
صوت امرأة.
هادئ جدًا.
قالت:
“ماتفتحيش الباب.”
تجمدت نور.
أعادت التسجيل.
نفس الجملة.
لكن هذه المرة، لاحظت شيئًا خلف صوت المرأة.
صوت مفتاح.
ثم ثلاث طرقات.
دق… دق… دق.
أوقفت التسجيل.
وفي اللحظة نفسها، طرق أحدهم باب الشقة.
ثلاث طرقات.
دق… دق… دق.
الجارة العجوز
في اليوم التالي، قررت نور أن تسأل إحدى الجارات.
كانت هناك سيدة مسنة تسكن في الشقة المقابلة، وتُدعى أمينة.
عندما ذكرت نور موضوع المفتاح، تغير وجه المرأة.
سألتها:
"إنتِ سمعتيه؟"
"آه."
سكتت أمينة قليلًا.
ثم قالت:
"كل اللي سكنوا الشقة دي سمعوه."
شعرت نور ببرودة في أطرافها.
"يعني إيه؟"
نظرت أمينة نحو باب شقة نور.
"الشقة دي كانت مقفولة حوالي خمس سنين."
"ليه؟"
لم تجبها مباشرة.
قالت فقط:
"الست اللي كانت ساكنة قبلك كانت بتقول إن حد بيدخل عليها بالليل."
ضحكت نور بتوتر.
"وكان فيه حد فعلًا؟"
هزت أمينة رأسها.
"الشرطة فتشت الشقة أكتر من مرة. مفيش أي علامة دخول."
ثم اقتربت منها وقالت بصوت منخفض:
"بس في آخر ليلة ليها هنا… خرجت وهي سايبة كل حاجتها."
"راحت فين؟"
رفعت أمينة عينيها إليها.
"ماعرفناش."
الخزانة
عادت نور إلى شقتها وهي تحاول تجاهل الموضوع.
لكن شيئًا واحدًا ظل يشغل تفكيرها.
“سايبة كل حاجتها.”
بدأت تبحث في الشقة.
فتحت الخزائن.
الأدراج.
حتى الأماكن التي لم تستخدمها منذ انتقالها.
وفي أسفل خزانة قديمة داخل غرفة النوم، وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
كان مقفلًا بمفتاح.
لم يكن المفتاح موجودًا.
لكن الصندوق لم يكن هو الشيء الأكثر غرابة.
كان هناك شيء مكتوب على غطائه من الداخل.
ثلاث كلمات فقط:
“لو سمعتي المفتاح… اهربي.”
ابتلعت نور ريقها.
وضعت الصندوق جانبًا.
في تلك الليلة، لم تنم.
جلست على السرير والهاتف في يدها.
الساعة كانت 2:16 صباحًا.
ثم أصبحت 2:17.
سمعت صوت المصعد.
طنين…
توقف في الطابق السادس.
خطوات بطيئة.
ثم توقفت الخطوات أمام بابها.
سكت كل شيء.
نور لم تتحرك.
ثم جاء الصوت.
طَق.
المفتاح دخل القفل.
لكن هذه المرة، لم يدر.
بقي ثابتًا.
ثم سمعت شخصًا يهمس من خلف الباب:
“نور.”
تجمدت.
الصوت كان صوتها هي.
ما وراء الباب
وضعت يدها على فمها.
الشيء الموجود خلف الباب قال مرة أخرى:
“نور… افتحي.”
بدأت دموعها تنزل دون أن تشعر.
ثم جاء صوت آخر.
صوت امرأة.
من داخل الشقة.
“ماتفتحيش.”
التفتت نور بسرعة.
لم يكن هناك أحد.
عاد الصوت:
“ماتفتحيش.”
هذه المرة كان قريبًا جدًا.
قريبًا لدرجة أنها شعرت بأنفاس باردة بجوار أذنها.
استدارت.
لا أحد.
ثم انفتح باب الخزانة خلفها ببطء.
خرج منه صوت سقوط شيء على الأرض.
كان هاتفًا قديمًا.
لم يكن هاتف نور.
اقتربت منه بحذر.
كانت الشاشة مضيئة.
وعليها تسجيل فيديو.
ضغطت تشغيل.
ظهرت امرأة تجلس على نفس السرير.
كانت تبكي.
قالت للكاميرا:
“لو حد لقى الفيديو ده… ماتفتحش الباب.”
ثم توقفت.
نظرت خلف الكاميرا.
وتغير وجهها.
“هو مش بره.”
اقتربت من الشاشة.
“هو جوه.”
انتهى الفيديو.
وفي اللحظة نفسها، انطفأت أنوار الشقة.
الطرق الأخير
في الظلام، سمعت نور صوت خطوات.
خطوة.
ثم أخرى.
كانت تقترب منها.
أمسكت هاتفها وركضت نحو الباب.
لكن قبل أن تصل…
سمعت المفتاح يدور في القفل.
هذه المرة من الداخل.
توقفت.
الباب بدأ يُفتح ببطء.
صرخت نور وركضت إلى الحمام وأغلقت الباب خلفها.
جلست على الأرض وهي تبكي.
بعد لحظات، ساد الهدوء.
لا خطوات.
لا همسات.
لا مفتاح.
فقط الصمت.
ثم اهتز هاتفها.
إشعار جديد من تطبيق التسجيل.
“تسجيل جديد.”
فتحت الملف.
كان مدته خمس ثوانٍ فقط.
سمعت صوتها وهي تبكي داخل الحمام.
ثم صوت امرأة يهمس:
“هي فتحت.”
رفعت نور رأسها ببطء.
كانت متأكدة أنها لم تفتح الباب.
لكن عندما نظرت إلى المرآة…
لم ترَ انعكاسها.
رأت المرأة الموجودة في الفيديو.
كانت تقف خلفها.
وتبتسم.
وفي صباح اليوم التالي، وجد الجيران باب الشقة مفتوحًا.
لم يجدوا نور.
لم تكن هناك أي علامة على اقتحام أو مقاومة.
فقط هاتفها كان موضوعًا فوق السرير.
وبجواره مفتاح قديم.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح سكان العمارة يسمعون شيئًا جديدًا كل ليلة عند الساعة 2:17.
مفتاح يدور في قفل شقة نور.
ثم صوت امرأة من الداخل تقول:
“ماتفتحش.”
والأغرب…
أن الشقة ظلت فارغة.
لكن كل من يمر أمام بابها في هذا الوقت، يسمع أحيانًا صوت نور نفسها من الداخل:
“أنا لسه هنا.”

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق