مقالات اخري بواسطة Body Gaming
المهندس رقم صفر: متلازمة الجدار الرابع

المهندس رقم صفر: متلازمة الجدار الرابع

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

 

image about المهندس رقم صفر: متلازمة الجدار الرابع


 

 

 

 

المهندس رقم صفر: متلازمة الجدار الرابع


 

 

أرضٌ غير صلبة

كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل عندما بدأ جدار الغرفة الخفية بالاهتزاز. لم يكن اهتزازاً ناتجاً عن زلزال أو أعمال بناء مجاورة، بل كان تشوهاً بصرياً شبه مرئي، كأن الهواء المحيط بالإسمنت يتحول إلى سائل لزج.  

مراد، مهندس الديكور البالغ من العمر أربعين عاماً، كان يعمل منذ أسبوعين على إعادة ترميم شقة شاسعة تقع في الطابق الأخير من عمارة يعود تاريخ بنائها لخمسينيات القرن الماضي في وسط البلد. أصحاب العمارة الأصليون اختفوا في ظروف غامضة، والمخططات الهندسية للشقة لم تكن تطابق الواقع بأي شكل: ثمة جدار فاصل في نهاية الممر المظلم، لم يُذكر في أي وثيقة رسمية.  

عندما ضرب مراد الجدار بالمطرقة لأول مرة، لم يخرج غبار الإسمنت المعتاط، بل خرجت رائحة تشبه رائحة المطر المستمر على الأجهزة الإلكترونية المحترقة. ومع ضربة ثانية، انفتحت فجوة صغيرة. أضاء مراد بكشافه اليدوي داخل الفجوة، فتوقف قلبه عن النبض للحظة.

لم تكن هناك غرفة مجاورة، ولا حتى هيكل العمارة. كان هناك فراغ أبيض هائل ممتد بلا نهاية، وفي منتصف الفراغ، على بعد خطوات قليلة، طاولة خشبيّة ناصعة البياض يجلس عليها شخص يرتدي ذات القميص الأزرق والبنطال الرمادي اللذين يرتديهما مراد الآن.  

ارتفعت يد ذلك الشخص لتضع علامة بالقلم على مخطط معمار مفروش أمامه. في تلك اللحظة بالضبط، شعر مراد بألم حاد في كتفه الأيسر، وكأن يداً غريبة تخترق لحمه وتعدل موقع عظام قفصه الصدري.  

رجع مراد إلى الخلف بسعة وصدمة، متعرثاً بقطع الخشب الملقاة على الأرض. حاول الصراخ، لكن الصوت خرج خافتاً ومكتوماً، كأنه يُسجل ويُعاد تشغيله من مكبر صوت رديء. نظر إلى يديه؛ كانت أصابعه تفقد تفاصيلها تدريجياً، تملس تجاعيدها وتتصلب لتصبح شبيهة بالمواد البلاستيكية المستخدمة في مجسمات الماكيت الهندسية.  

صوت ضربات المطرقة على الجدار من الجانب الآخر بدأ يرتفع، ولكن هذه المرة لم يكن مراد هو من يحمل المطرقة. كان الصوت يكرر إيقاعاً منتظماً: هدم، إعادة تصحيح، ثم مسح.  

اقترب مراد من الفجوة من جديد بنظرات مذعورة. رأى الشخص الجالس عند الطاولة يلتفت ببطء نحو الفتحة. لم يكن له وجه؛ كان مكانه مجرد مساحة ملساء تعكس ضوء الشقة الخافت، وفي يد هذا الكائن كانت توجد ممحاة عريضة، بدأ يمسح بها الجزء السفلي من المخطط.  

في تلك اللحظة، شعر مراد بأقدامه تذوب وتتلاشى تماماً داخل أرضية الغرفة، ولم يعد هناك أي أثر للظل الذي كان يتركه على الجدارومع تلاشي ساقيه، حاول الإمساك بحافة الجدار لإنقاذ نفسه، لكن أصابعه تحولت إلى هباء ضوئي. أدرك مراد في لحظته الأخيرة أنه لم يكن سوى تصميم تجريبي أولي، وأن النسخة الأحدث والأكثر كمالاً منه قد بدأت للتو بالدخول من باب الشقة.


 


 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Body Gaming تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-