البيت رقم 13 - الجزء الأول
البيت رقم 13 - الجزء الأول
لو انت حاسس دلوقتي إن حد بيبصلك من ورا ضهرك، متبصش. كمل قراءة الأول، وبعدين قوللي كنت حاسس بإيه.
كانت الساعة تلاتة بالليل بالظبط لما "منى" اتصحّت على صوت حد بيمشي فوق سقف أوضتها. مكنش صوت فار، ولا صوت قطة، كان صوت خطوات، خطوات إنسان بيمشي ببطء، خطوة وسكتة وخطوة تانية، كأن حد واقف فوقهم بالظبط وبيعد. فتحت عينيها في الضلمة وقلبها بيدق بقوة لدرجة إنها كانت سامعاه في ودانها. حاولت تصحّي جوزها "كريم" اللي كان نايم جمبها، مدت إيدها عليه، لكن إيده كانت باردة بشكل غريب، وهو بيتنفس ببطء شديد كأنه مش نايم عادي، كأنه حد تاني واقف جوه جسمه بيتحكم فيه. وبعدين سمعت الصوت اللي غيّر حياتها للأبد، صوت طفلة صغيرة بتضحك، جاية من تحت السرير بالظبط.
قبل كده بأسبوعين، كانت العيلة لسه بتدور على بيت جديد. كريم كان اتنقل شغله لمدينة "بني عاصم"، مدينة صغيرة على أطراف الصعيد محدش سامع عنها كتير، وفيها حارة قديمة اسمها "حارة السبع أرواح". الاسم لوحده كان لازم يبقى إنذار كفاية، بس محدش من العيلة اهتم بالتفاصيل دي وقتها، كانوا مركزين بس إن السعر مناسب والوقت ضيق. السمسار، راجل اسمه الحاج توفيق، عرض عليهم بيت في نص السعر السوقي، في عمارة قديمة اسمها "عمارة الخواجة أنطون"، أقدم عمارة في الحارة كلها، اتبنت من أيام الاحتلال الإنجليزي، وفيها شقة واحدة بس فاضلة، الشقة رقم 13، في الدور التالت. لما منى سألته ليه السعر رخيص كده، ابتسم الحاج توفيق ابتسامة غريبة وقال إن الناس بتخاف من رقم 13 خرافة مالهاش أساس، وإنه هو شخصيًا مؤمن إن الأرقام مالهاش دعوة بالنحس. كريم ضحك وقال إحنا مش من النوع اللي بيخاف من خرافات، ووقّع العقد في نفس اليوم.
في أول ليلة ليهم في البيت، وهما لسه بيرتبوا العفش والصناديق متكدسة في كل حتة، وقف يوسف الصغير، ابنهم اللي عنده سبع سنين، قدام باب أوضته وقال جملة خلّت منى تحس ببرد يمشي في ضهرها كله مرة واحدة. قال ماما البنت دي مين، فسألته أنهي بنت يا حبيبي، فرد وهو بيبص على نقطة فاضية جنبها بالظبط، اللي واقفة جنبك دلوقتي. استدارت بسرعة، ومفيش حد، الأوضة فاضية غير منها هي. كريم ضحك وقال الواد متعب يا منى وخلاص هنعمل له حمام سخن وينام بدري، بس يوسف مكملش يبص لأمه، ظل شايل عينيه على نفس النقطة الفاضية دي، وقال بصوت هادي ومرعب مش من عمره، هي بتقول إنها مبسوطة إننا رجعنا. ووقفت منى مكانها بلا حراك، لأن الجملة دي معناها حاجة غريبة، إحنا لسه أول مرة ندخل البيت ده في حياتنا، إحنا معناش أي "رجعنا".
في الصبح، وهي نازلة تشتري خبز، قابلت منى جارتها أم سيد، ست عجوزة ساكنة في الشقة تحتيهم بالظبط، شقة رقم عشرة. كانت أم سيد بتتفرج عليها بشفقة غريبة من أول ما شافتها، شفقة زي اللي بتبان في وش حد بيبص لواحد ماشي على حبل رفيع من غير ما يعرف. سألتها منى وهي بتحاول تكون لطيفة، إنتوا هنا من زمان؟ إحنا سكنّا فوق، شقة 13. اتغير وش أم سيد فجأة، لونها راح، ومسكت إيد منى بقوة غريبة مش متوقعة من ست في سنها، وقالت بصوت واطي جدًا كأنها خايفة حد يسمعها، سيبيها يا بنتي، خدي عيالك وسيبيها وانتي لسه تقدري. سألتها منى بذعر، ليه، في إيه، لكن أم سيد سحبت إيدها ورجعت لباب شقتها بسرعة، وقفلت الباب في وشها من غير ما ترد حرف واحد تاني، وسمعت منى من ورا الباب صوت مفتاح بيتقفل مرتين، كأن أم سيد نفسها خايفة من حاجة برا مش بس من الكلام اللي قالته.
بعدها بكام يوم، وهما بيرتبوا مخزن قديم جوه الشقة كان قافلينه من أول يوم لأنه كان مليان عنكبوت وتراب، كريم لاقى باب صغير خشبي مخفي ورا دولاب حديدي قديم تقيل جدًا، شكله زي باب خزنة قديمة أكتر منه باب مخزن عادي. حاول يفتحه وواجه صعوبة لأن المفصلات كانت صدئة، وفي الآخر فتحه بقوة، ولقى جواه صندوق خشب متسخ عليه طبقة تراب سميكة، وجواه صور فوتوغرافيا قديمة بالأبيض والأسود، لعيلة كاملة، أب وأم وبنت صغيرة، واقفين قدام نفس البيت ده بالظبط، ومكتوب على ضهر الصور بخط إيد قديم تاريخ سنة 1952. وجنب الصور دفتر يوميات جلده جلد حقيقي متآكل الأطراف، وميدالية فضة صغيرة عليها شكل غريب، صليب مقلوب جوه دايرة محفورة بدقة غريبة. فتح كريم اليوميات بفضول، وأول جملة مكتوبة فيها كانت، لو حد قرا الكلام ده يبقى العيلة اللي قبلكم ماتت، وإنتوا الجايين بعدها. قفل كريم الدفتر بسرعة وإيده بترتعش من غير ما يقدر يفهم ليه، وحس فجأة بحاجة تتحرك ورا ضهره بالظبط، استدار بسرعة، ومفيش حد في المخزن غيره. لكن الباب الصغير اللي فتحه بصعوبة قبل شوية، كان اتقفل لوحده تمامًا من غير ما حد يلمسه.
ومن هنا كملت القصة لنفس اللحظة اللي بدأنا بيها، نفس الليلة، الساعة تلاتة بالظبط، صوت الخطوات فوق السقف، وضحكة الطفلة الجاية من تحت السرير. منى، وهي مرعوبة لدرجة إن إيديها بترتعش، مدّت إيدها ببطء شديد ورفعت طرف الغطا عشان تبص تحت السرير. مفيش حد. لكن على الأرض، مكتوب بخط إيد صغير بحاجة شبه الطباشير الأبيض، كانت الكلمة، ابنك بتاعنا دلوقتي. صرخت منى بأعلى صوتها في الضلمة، وكريم صحي فجأة من نومه الغريب كأنه طالع من غيبوبة مش من نوم عادي، وجريوا الاتنين على أوضة يوسف بأسرع ما يقدروا. الأوضة كانت فاضية تمامًا، السرير مرتب زي ما هو من الأول، والشباك مفتوح على مصراعيه رغم إنهم قافلينه بإحكام كل ليلة قبل النوم من غير ما ينسوا أبدًا. يوسف مش موجود. اختفى تمامًا من غير أي أثر، والستارة بتترجرج ببطء من هوا برا كأن حد لسه طالع منها من ثانية واحدة بس.
انتظروا الجزء الثاني هينزل وراه علي طول .