شقه مسكونة مرعبة
في شتاء عام 2018، قرر طارق، وهو مهندس معماري في أواخر الثلاثينيات، الانتقال إلى شقة جديدة تُتيح له التركيز في عمله. وجد بغيته في حَيٍّ أزهري عريق بالقاهرة؛ شقة واسعة بذات سقف مرتفع وطراز قديم. في شتاء عام 2018، قرر طارق، وهو مهندس معماري في أواخر الثلاثينيات، الانتقال إلى شقة جديدة تُتيح له التركيز في عمله. وجد بغيته في حَيٍّ أزهري عريق بالقاهرة؛ شقة واسعة بذات سقف مرتفع وطراز قديم، وإيجار زهيد بشكلٍ مريب. لم يكترث طارق للثمن أو لغرابة الهُدوء المُطبق في البناية، بل اعتبر الأمر صفقة رابحة تُوفر له البيئة المثالية لإنجاز مخططاته الهندسية المعقدة في ساعات الليل الممتدة.
في الأسابيع الأولى، تسللت الطمأنينة إلى قلبه وكان كل شيء يسير على ما يرام. غير أن المنتصف الثاني من الشهر الأول شهد بداية المأساة التي غيرت حياته للابد.
في تمام الساعة الثانية والنصف صباح كل ليلة، يبدأ الصوت: خمش خفيف ومتقطع، يبدو قادماً من عمق الجدار الملاصق لغرفة نومه. في البداية، ظن طارق أنها مجرد قوارض تسللت بين طيات الخرسانة القديمة، لكن مع مرور الأيام، تحوّل الخمش إلى همس مبهم بلغة غير مفهومة، ثم تطور إلى صرخات مكتومة ومبحوحة، كأن شخصاً ما يُقتَل بالبطيء ويُدفَن حياً وراء الطوب.
لم يستطع طارق النوم لعدة أيام متتالية، واحتل الذعر والشك عقله؛ هل بدأ يعاني من هلاوس سمعية بسبب ضغط العمل؟ أم أن هناك شيئاً أكثر شؤماً يحدث؟ قرر استجماع شجاعته وسؤال بواب العمارة، "عم حسن"، عن الشقة المجاورة لشقته. رد الرجل باضطراب ملحوظ وهو يتحاشى النظر في عينيه، واكتفى بكلمات مقتضبة: “هذه الشقة مغلقة منذ ثماني سنوات يا أستاذ.. أصحابها مسافرون خارج مصر، ولا أحد يدخلها مطلقاً.”
لكن الأصوات لم تتوقف، بل أصبحت أكثر حدة ووحشية. أخذت الصرخات يرافقها ضرب متواصل بجنون على الجدار، حتى بدأ طارق يشعر بوجود هواء بارد برائحة العفن يخرج من الشقوق الصغيرة في طلاء الغرفة.
في ليلة ممطرة وعاصفة، وفي الساعة الثانية والنصف تماماً، تجاوزت الصرخات الخرسانة لتصبح كأنها تنبعث من أذنه مباشرة: "أنقذني... إنه يقتلني هنا!".
لم يعد يتسِع عقله للمزيد من الرعب. جلب طارق مطرقة ضخمة وبدأ يضرب الجدار بجنون وسعر. تساقط الطلاء، ثم تهاوى الطوب الأحمر القديم، وتصاعد غبار أبيض كثيف ملأ أرجاء الغرفة وحجب الرؤية. بعد ساعة كاملة من العمل الشاق والنحيب الخائف، فتح ثقباً كبيراً بعرض متر، وليتكشّف له ما هو أعظم وأشد هولاً من الخيال.
لم تكن هناك شقة مجاورة أساساً خلف هذا الجدار؛ بل تجويف ضيق ومظلم يقع بداخل الهيكل البنائي للعمارة، يبدو أنه صُمم كمخبأ مخفي أثناء تشييد المبنى في أربعينيات القرن الماضي.
سلّط طارق كشاف هاتفه بحذر داخل الفتحة. سكن الهواء تماماً، وفاحت رائحة رطوبة وعفن شديدة الكتمة. على الأرضية الاسمنتية، كان يقبع هيكل عظمي بشري لمجهول، وقد لُفَّ بملابس متهرئة وأسمال بالية. وعندما حرك طارق الضوء نحو الجدار الداخلي للمخبأ، تجمّد الدم في عروقه؛ كانت هناك آثار أظافر بشرية محفورة وعميقة في الإسمنت، ومدعومة بكلمات مكتومة ومكتوبة بالدم الجاف: "حُبستُ هنا ولن أرحل".
انهار طارق تراجعاً إلى الخلف وسقط على الأرض مصدوماً، وفي تلك اللحظة بالذات، انقطع التيار الكهربائي عن الشقة بالكامل، وساد ظلام دامس لا يقطعه سوى ضوء الكشاف المرتجف.
ومن داخل الثقب الأسود الذي فتحه بيده، سمع طارق نفس الصرخة المبحوحة، لكن هذه المرة لم تكن خلف الجدار، ولا محبوسة في الخرسانة... بل كانت تخرج لتملأ أرجاء الغرفة، وتهمس بجوار أذنه مباشرة وبأنفاس باردة: "شكراً لأنك أخرجتني".
سقط الهاتف من يده، وركض طارق نحو الباب الخارجي حافي القدمين يصرخ بهستيرية، مخلفاً وراءه الشقة وكل ما يملك، ليدرك وهو يركض في الشارع تحت المطر أن بعض الأسرار والشرور أرحم بكثير وهي مدفونة خلف الجدران.