كنت أظنهم أهلًا… حتى اكتشفت أنني كنت أحتاج نظارة اجتماعية!
كنت أظنهم أهلًا… حتى اكتشفت أنني كنت أحتاج نظارة اجتماعية!
كنت أظنهم أهلًا، وكنت أتعامل معهم على هذا الأساس بكل ثقة، حتى إنني كنت أقول لنفسي: «هؤلاء ليسوا مجرد أشخاص أعرفهم، هؤلاء أهلي وناسي، ولو طلبوا عيوني أعطيهم إياها». وبعد سنوات من التجارب والمواقف، اكتشفت أنني كنت مستعدًا فعلًا لإعطائهم عيوني… لكن يبدو أن المشكلة كانت أنهم يريدون شيئًا آخر تمامًا!
في البداية كانت الأمور جميلة جدًا. يسألون عني، يرسلون الرسائل، يضحكون على نكاتي حتى لو كانت النكتة تحتاج إلى شرح من وزارة الثقافة، ويقولون: «أنت غير عن الناس». وأنا، بكل براءة، صدقتهم. بل بدأت أتعامل معهم وكأنني اكتشفت أخيرًا القبيلة التي كنت أبحث عنها منذ ولادتي.
كنت إذا اجتمعنا أحرص أن يكون الجميع مرتاحًا، وإذا طلب أحدهم شيئًا قلت: «أبشر». وإذا احتاج مساعدة قلت: «ولا يهمك». وإذا تأخر أحدهم في الرد قلت: «يمكن مشغول». وإذا تجاهلني قلت: «أكيد عنده ظروف». وإذا اختفى أسبوعين قلت: «الله يعينه». وإذا عاد بعد شهر برسالة: «هلاااا، وينك؟» كنت أرد خلال ثلاث ثوانٍ، وكأنني كنت جالسًا أمام الهاتف أنتظر عودته من رحلة حول العالم!
المشكلة أنني لم أكن ألاحظ الإشارات. كانت الإشارات أمامي بحجم لوحة إعلانية، وأنا أتعامل معها كأنها زينة شارع.
ذات مرة احتجت مساعدة بسيطة جدًا، واتصلت بأحدهم. لم يرد. اتصلت مرة ثانية، لم يرد. أرسلت رسالة: «إذا فضيت كلمني». رأى الرسالة، ولم يرد. قلت لنفسي: «أكيد مشغول». وبعد يومين اكتشفت أنه كان ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي صورًا لرحلة، مع تعليق: «أجمل وقت مع الناس اللي نحبهم». جلست أمام الصورة وأنا أفكر: «طيب وأنا ماذا؟ إعلان تجاري؟»
وفي موقف آخر، كنت أساعد أحدهم باستمرار، وأقف معه في كل صغيرة وكبيرة. وفي أول مرة احتجت فيها شيئًا، قال لي بكل هدوء: «والله ما أقدر». قلت: «عادي». وفي داخلي صوت يقول: «عادي؟! عادي على مين يا بطل؟!».
ومع ذلك استمريت في اختلاق الأعذار لهم. كنت محامي الدفاع عنهم، رغم أن المتهمين أنفسهم لم يطلبوا مني الدفاع عنهم!
قلت: «يمكن أنا حساس». ثم قلت: «يمكن فهمت الموضوع غلط». ثم قلت: «يمكن الناس تغيروا». وأخيرًا وصلت إلى الحقيقة المضحكة: «يمكن أنا كنت غبيًا اجتماعيًا بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف».
اكتشفت أن كلمة «أهل» ليست مجرد كلمة نقولها لكل من يضحك معنا ويشرب القهوة معنا. الأهل الحقيقيون يظهرون عندما تختفي الابتسامات، وتقل المصلحة، وتصبح مساعدتك عبئًا عليهم بدل أن تكون فرصة لهم.
والأطرف أن بعض الناس لا يتذكرك إلا عندما يحتاج منك شيئًا. فإذا اختفيت قال: «وينك؟ فقدناك!». فتكتشف أنك لم تكن مفقودًا أصلًا، بل كنت موجودًا في قائمة «الاحتياط» لديهم، بجانب أرقام المطاعم وخدمة توصيل الطلبات!
اليوم، لم أعد أكره أحدًا، ولم أعد ألوم أحدًا. فقط أصبحت أتعامل مع الناس على قدر أفعالهم، لا على قدر الكلام الجميل الذي يقولونه.
فمن يريدني أهلًا، سأكون له أهلًا. ومن يريدني صديقًا وقت الحاجة فقط، فسأكون له… شخصًا مشغولًا جدًا وقت الحاجة أيضًا!
وفي النهاية، تعلمت درسًا مهمًا: لا تصدق كل من قال لك «أنت غالي». بعضهم يقصد فعلًا أنك غالٍ… لكن فقط عندما يحتاج منك خدمة مجانية!
كنت أظنهم أهلًا، ثم اكتشفت أنهم مجرد زوار مرّوا في حياتي، أخذوا القهوة، وأكلوا الحلوى، وتركوا لي الفاتورة!
والحمد لله… الفاتورة دفعتها، لكن الدرس هذه المرة كان مجانيًا.