حين اختارنا بعضنا رغم كل شيء

حين اختارنا بعضنا رغم كل شيء

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حين اختارنا بعضنا رغم كل شيء.

image about حين اختارنا بعضنا رغم كل شيء
لم تكن تعرف أن ذلك اليوم العادي سيغيّر حياتها إلى الأبد. كانت تجلس في المقهى الصغير القريب من الجامعة، تحتسي قهوتها وتنظر من النافذة إلى الشارع المزدحم، عندما جلس شاب على الطاولة المقابلة لها. لم يكن بينهما أي شيء في البداية سوى نظرة عابرة، لكنها كانت كافية لتترك في قلب كل منهما سؤالًا لم يجد له تفسيرًا.

بعد أيام قليلة، تكررت الصدفة. ثم أصبحت الصدفة موعدًا، وأصبح الموعد انتظارًا، وأصبح الانتظار شيئًا لا يستطيع أحدهما الاستغناء عنه.

كان اسمه آدم، وكانت تُدعى ليان. لم يكن آدم يشبه الأشخاص الذين عرفتهم من قبل؛ كان هادئًا، يستمع أكثر مما يتحدث، وعندما ينظر إليها كانت تشعر أن العالم من حولها يتوقف للحظات. أما ليان، فكانت تخشى الحب منذ البداية. كانت تؤمن أن أجمل الأشياء هي أكثرها قابلية للكسر، ولذلك حاولت كثيرًا أن تضع حدودًا بين قلبها وبين آدم.

لكن القلب لا يعرف الحدود.

مرت الشهور، وتحولت علاقتهما إلى حب حقيقي. كانا يتحدثان عن أحلامهما، عن المستقبل، عن بيت صغير يجمعهما، وعن تفاصيل بسيطة لم تكن تعني شيئًا للعالم، لكنها كانت تعني لهما كل شيء.

وفي ليلة هادئة، قال لها آدم:
"لو اضطررت يومًا للاختيار بينك وبين العالم كله، سأختارك أنتِ."

ابتسمت ليان، لكنها لم تعرف أن الأيام ستختبر صدق تلك الكلمات.

بعد فترة قصيرة، تلقى آدم خبرًا اضطره إلى السفر بعيدًا للعمل. لم يكن السفر اختياره، لكنه كان الطريق الوحيد لإنقاذ مستقبل عائلته. حاولت ليان أن تبدو قوية، وقالت له إن المسافة لا تخيفها، وإن الحب الحقيقي يستطيع الانتظار.

في المطار، قبل أن يرحل، أمسك آدم بيدها وقال:
"انتظريني، سأعود."

قالتها وهي تحاول منع دموعها:
"سأنتظرك."

بدأت المسافة بينهما تكبر، وبدأت الحياة تصبح أكثر قسوة. المكالمات التي كانت تستمر لساعات أصبحت دقائق، والرسائل اليومية أصبحت متباعدة، ثم جاءت الأيام التي لم يتحدثا فيها إطلاقًا.

بدأ الشك يتسلل إلى قلب ليان. هل تغيّر؟ هل نسيها؟ هل أصبح لحياته الجديدة مكان لا وجود لها فيه؟

وفي الوقت نفسه، كان آدم يعيش صراعًا آخر. فقد خسر عمله، وتراكمت عليه المسؤوليات، ولم يكن يريد أن يعود إليها محطمًا. كان يعتقد أنه إذا عاد دون أن يحقق شيئًا، فسوف تشعر أنه خذلها.

مرت سنتان.

وفي مساء شتوي بارد، عادت ليان إلى المقهى الذي شهد بداية قصتهما. جلست في المكان نفسه، وطلبت القهوة نفسها، وحاولت أن تتذكر آدم دون ألم.

لكن عندما رفعت عينيها، وجدته أمامها.

كان واقفًا عند الباب، يحمل معطفه بيده، وينظر إليها بنفس النظرة التي عرفتها منذ اليوم الأول.

لم تستطع الكلام.

اقترب منها وقال بصوت مرتجف:
"آسف لأنني تأخرت."

سألته والدموع تملأ عينيها:
"لماذا عدت الآن؟"

ابتسم وقال:
"لأنني أدركت أنني كنت أبحث عن حياة أفضل، بينما كانت حياتي كلها تنتظرني هنا."

بكت ليان، ليس لأنها حزينة، بل لأنها اكتشفت أن بعض الوعود قد تتأخر، لكنها لا تموت.

جلس آدم إلى جوارها، وأمسك يدها كما فعل في المطار قبل عامين.

هذه المرة لم يكن هناك وداع.

قال لها:
"لم أعدك بأن الحياة ستكون سهلة، لكنني أعدك أنني لن أهرب منها وحدي مرة أخرى."

ابتسمت ليان وقالت:
"وأنا لم أعدك أنني لن أخاف، لكنني أعدك أنني سأبقى."

وهكذا، لم تكن قصتهما قصة حب مثالية بلا ألم أو فراق، بل كانت قصة شخصين اختارا بعضهما مرة أخرى بعد أن اختبرتهما الحياة.

لأن الحب الحقيقي ليس أن تجد شخصًا لا يتركك أبدًا، بل أن تجد شخصًا، رغم كل ما يحدث، يظل قلبه يعرف طريق العودة إليك.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
زينب ياسر تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-