المكالمة التي جاءت من المستقبل
المكالمة التي جاءت من المستقبل
كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل عندما جلس ياسين وحده في شقته.
كان المطر يضرب زجاج النافذة بعنف، والمدينة في الخارج غارقة في الظلام إلا من بعض أضواء السيارات البعيدة.
ياسين لم يكن يخشى الوحدة. اعتاد أن يقضي ساعات طويلة بمفرده، خصوصًا بعد انتقاله إلى شقته الجديدة.
لكن في تلك الليلة، حدث شيء لم يستطع تفسيره.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
تردد قليلًا قبل أن يجيب.
"ألو؟"
لم يسمع شيئًا.
"ألو؟ مين معايا؟"
ظل الصمت لثوانٍ.
ثم سمع صوتًا جعل الدم يتجمد في عروقه.
كان صوت رجل يتنفس بصعوبة.
ثم قال:
"ياسين… اسمعني كويس."
تجمد مكانه.
كان الصوت مألوفًا جدًا.
بل كان يعرفه أكثر من أي شخص آخر.
كان صوته هو.
قال ياسين:
"مين ده؟"
جاء الرد:
"أنا أنت."
ضحك ياسين بعصبية.
"مين اللي عامل المقلب ده؟"
لكن الصوت لم يهتم.
قال بسرعة:
"مفيش وقت للشرح. بعد خمسين دقيقة، النور هيقطع."
نظر ياسين إلى الساعة.
"وبعدين؟"
"لما النور يقطع، متفتحش باب الشقة مهما سمعت."
صمت ياسين.
ثم قال:
"ليه؟"
جاء الرد بعد لحظة:
"لأن الشخص اللي هيخبط عليك… مش إنسان."
وانقطعت المكالمة.
ظل ياسين ينظر إلى الهاتف.
حاول الاتصال بالرقم مرة أخرى.
ظهرت رسالة:
الرقم غير متاح.
قرر أن يتجاهل الأمر.
ربما أحد أصدقائه يحاول إخافته.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
ثم ثلاثون.
بدأ ياسين يشعر بالسخرية من نفسه.
"أنا بصدق الكلام ده ليه؟"
وفجأة…
انطفأت الكهرباء.
حل الظلام.
توقف صوت الثلاجة.
اختفى ضوء الشارع.
كل شيء أصبح ساكنًا.
نظر ياسين إلى هاتفه.
كانت الساعة 2:47.
ثم…
سمع طرقًا على الباب.
دق… دق… دق.
تجمد.
تذكر المكالمة.
"لما النور يقطع، متفتحش باب الشقة."
اقترب من الباب بحذر.
ثم سمع صوت امرأة:
"ياسين؟"
كانت والدته.
قال الصوت:
"افتح يا حبيبي، أنا ماما."
ارتجف ياسين.
كانت نبرة صوتها مطابقة تمامًا لصوت والدته.
لكنه يعرف أن والدته تعيش في مدينة أخرى، وتستحيل أن تأتي في هذا الوقت.
ظل صامتًا.
طرق الصوت الباب مرة أخرى.
"ياسين… افتح."
ثم تغيرت النبرة.
أصبحت أكثر حدة.
"أنا عارفة إنك جوه."
تراجع ياسين.
وبعد ثوانٍ، ساد الصمت.
اعتقد أن الأمر انتهى.
لكن هاتفه رن مرة أخرى.
نفس الرقم المجهول.
أجاب فورًا.
جاءه صوته من الطرف الآخر:
"ماتفتحش."
قال ياسين:
"إيه اللي بيحصل؟"
"اسمعني… أنت لازم تصدقني."
"إنت مين؟!"
"أنا أنت… بعد ساعة."
صمت ياسين.
"بعد ساعة؟"
"أيوه."
ثم قال الصوت:
"في حاجة مهمة لازم تعرفها. الشخص اللي واقف ورا الباب مش أول حاجة هتحاول تدخل."
شعر ياسين بقشعريرة.
"يعني إيه؟"
"في حاجة تانية جوه الشقة."
نظر ياسين خلفه.
لم ير شيئًا.
قال:
"إيه؟"
سكت الصوت.
ثم قال:
"ماتتحركش."
توقف ياسين تمامًا.
"ليه؟"
"لأنها واقفة وراك."
لم يستطع ياسين التنفس.
ببطء شديد، بدأ يلتفت.
لم يكن هناك أحد.
قال بصوت مرتجف:
"مفيش حد."
جاء الرد:
"بص في المراية."
كانت هناك مرآة كبيرة معلقة بجانب باب الغرفة.
نظر إليها.
رأى نفسه.
لكن بعد لحظة لاحظ شيئًا غريبًا.
انعكاسه لم يكن يتحرك معه.
ظل واقفًا.
بينما هو كان يرفع يده.
الانعكاس لم يفعل شيئًا.
ثم ابتسم.
صرخ ياسين وتراجع.
سقط الهاتف من يده.
وعندما التقطه، كان الصوت لا يزال موجودًا.
قال:
"دلوقتي فهمت."
"إيه؟"
"إحنا مش بنحاول نمنعها من دخول الشقة."
صمت.
ثم أضاف:
"إحنا بنحاول نمنعها من الخروج."
نظر ياسين إلى المرآة.
الانعكاس لم يعد موجودًا.
المرآة أصبحت سوداء تمامًا.
وفجأة ظهرت يد من داخلها.
ضربت سطح الزجاج.
ثم يد أخرى.
بدأ شيء ما يحاول الخروج.
تراجع ياسين حتى اصطدم بالحائط.
وفي اللحظة نفسها…
جاء طرق جديد على باب الشقة.
لكن هذه المرة لم يكن من الخارج.
كان الطرق يأتي من داخل غرفة النوم.
دق… دق… دق.
بدأ ياسين يبكي.
"مين هناك؟"
جاء صوت من غرفة النوم:
"أنا."
كان صوت ياسين.
ثم قال:
"افتح الباب."
صرخ:
"أنت مش أنا!"
ضحك الصوت.
"بالعكس… أنا النسخة اللي هتفضل."
ثم انقطعت المكالمة.
نظر ياسين إلى شاشة هاتفه.
ظهرت رسالة جديدة من الرقم المجهول:
"لما تقرأ الرسالة دي، متحاولش تهرب."
ثم رسالة ثانية:
"أنت وصلت للحظة اللي حصلت فيها المكالمة الأولى."
رفع ياسين رأسه ببطء.
فهم الحقيقة.
المكالمة التي تلقاها قبل ساعة لم تكن تحذيرًا من المستقبل.
كانت جزءًا من المستقبل نفسه.
كان هو الذي سيتصل بنفسه.
لكنه لم يعرف لماذا.
حتى سمع صوتًا من خلفه:
"ياسين…"
التفت.
كان شخصًا يقف في الظلام.
يشبهه تمامًا.
نفس الوجه.
نفس الملابس.
نفس الصوت.
لكن عينيه كانتا سوداوين بالكامل.
قال الشخص:
"اتأخرت."
ثم رفع هاتفه.
رن هاتف ياسين في اللحظة نفسها.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
أجاب.
وسمع صوته يقول:
"ياسين… اسمعني كويس."
في تلك اللحظة فهم كل شيء.
لم يكن هناك مستقبل يحاول إنقاذه.
كان هناك شيء ما يستخدمه لكي يحافظ على الحلقة.
وفي الصباح، عندما وصلت الشرطة بعد بلاغ من الجيران بسبب الأصوات، وجدوا الشقة مفتوحة.
لم يجدوا ياسين.
لكن هاتفه كان فوق الطاولة.
وعندما فحص أحد الضباط سجل المكالمات، وجد مكالمة غريبة استمرت ثلاث دقائق وسبع عشرة ثانية.
المشكلة أن المكالمة كانت مسجلة بين رقم ياسين…
ورقم ياسين نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يسكن أحد في الشقة.
لكن الجيران يقولون إن الهاتف الموجود بداخلها يرن كل ليلة في الساعة 2:47.
وإذا اقترب أحد من الباب، يمكنه سماع صوت رجل يتحدث من الداخل:
"ألو؟"
ثم صوت آخر يرد عليه:
"ياسين… اسمعني كويس."
والأغرب…
أن بعض الأشخاص الذين سمعوا المكالمة أكدوا أن الصوت لم يكن صوت رجل واحد.
كانا صوتين متطابقين تمامًا.
كأن شخصًا واحدًا…
كان يتحدث مع نفسه.
من المستقبل.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق