الطابق الذي لا وجود له ( الجزئ الثاني)

الطابق الذي لا وجود له ( الجزئ الثاني)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الطابق الذي لا وجود له

لم يستطع آدم النوم تلك الليلة.

ظل جالسًا على طرف السرير، ينظر إلى باب شقته المغلق، بينما تتكرر في رأسه الجملة التي سمعها قبل اختفاء الصوت:

“أنا آدم... الحقيقي.”

كان يحاول إقناع نفسه بأن ما حدث مجرد هلوسة بسبب قلة النوم، لكن الصورة القديمة الموجودة فوق الطاولة كانت كافية لتحطم كل محاولاته.

صورة للمبنى منذ عشرات السنين.

وفي إحدى نوافذه كان يقف شخص يشبهه تمامًا.

نفس الوجه.

نفس الطول.

بل وحتى نفس الملابس التي كان يرتديها في الليلة السابقة.

قرر آدم أنه سيغادر المبنى مع أول ضوء للشمس.

جمع بعض ملابسه في حقيبة صغيرة، ووضع هاتفه ومحفظته ومفاتيحه في جيبه، ثم جلس ينتظر.

كانت الساعة تقترب من الرابعة صباحًا عندما سمع صوتًا خافتًا.

خشخشة…

رفع رأسه.

الصوت جاء من الممر.

اقترب آدم من الباب ونظر من العين السحرية.

تجمد.

الممر لم يكن كما يعرفه.

كان أطول بكثير.

المصابيح الموجودة في السقف كانت تضيء واحدة تلو الأخرى، وكأن شيئًا يتحرك في اتجاهه.

ثم ظهرت في نهاية الممر لوحة معدنية.

رقمها:

4

تراجع آدم عن الباب فورًا.

حاول الاتصال بحارس العقار، لكن الهاتف لم يكن يلتقط أي شبكة.

بعد عدة محاولات، ظهرت إشارة واحدة فجأة.

اتصل.

رن الهاتف.

مرة.

مرتين.

ثلاث مرات.

ثم جاء صوت الحارس:

— ألو؟

— عم حسين، أنا آدم. لازم تيجي عندي حالًا.

صمت الرجل طويلًا.

ثم قال:

— أنت فين؟

— في الشقة.

— لا... مش قصدي الشقة. أنت فين بالضبط؟

نظر آدم إلى الباب.

— في الدور الرابع.

ساد صمت طويل.

ثم أغلق الحارس الهاتف دون أن يقول شيئًا.

بعد لحظات، وصلت رسالة من رقم مجهول.

“لو وصلت للطابق الرابع، متحاولش ترجع.”

ثم وصلت رسالة ثانية:

“هو دلوقتي عارف إنك عرفت.”

قرأ آدم الرسالتين أكثر من مرة.

حاول الاتصال بالرقم، لكنه اكتشف أن الرقم غير موجود.

قرر أن يبحث عن تاريخ المبنى.

فتح الإنترنت وبدأ يكتب اسم العمارة، وبعد عدة دقائق وجد أرشيفًا قديمًا لصحيفة محلية.

كان هناك مقال يعود إلى عام 1978.

عنوانه:

“اختفاء غامض لسكان عمارة النور.”

بدأ آدم يقرأ.

كان المقال يتحدث عن اختفاء جميع الأشخاص الذين كانوا يسكنون في الطابق الرابع خلال ليلة واحدة.

لم تكن هناك أبواب مكسورة.

ولا نوافذ مفتوحة.

ولا أي علامات تدل على مغادرة السكان للمبنى.

فقط اختفوا.

لكن أكثر شيء أثار انتباه آدم كان في نهاية المقال.

كتب الصحفي:

“أكد بعض سكان الطوابق الأخرى أنهم سمعوا ثلاث طرقات على أبواب شققهم في الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة صباحًا.”

توقف آدم عن التنفس للحظة.

نظر إلى الساعة.

كانت:

2:16

بقيت دقيقة واحدة.

جلس آدم أمام الهاتف وهو يراقب عقارب الساعة.

ثم أصبحت:

2:17

طق... طق... طق.

هذه المرة لم تأتِ الطرقات من باب الشقة.

جاءت من داخل غرفة نومه.

تجمد آدم.

ظل ينظر إلى باب الغرفة.

ثم سمع الطرق مرة أخرى.

طق... طق... طق.

اقترب ببطء.

وضع يده على المقبض.

وقبل أن يفتحه، جاء صوت من الداخل:

— متفتحش.

تراجع آدم فورًا.

كان الصوت صوت الحارس.

— عم حسين؟

لم يأتِ رد.

ثم جاء صوت آخر من داخل الغرفة.

كان صوته هو:

— متسمعش كلامه.

ابتعد آدم خطوة.

— مين أنت؟

جاء الرد بهدوء:

— أنت.

ثم بدأ مقبض الباب يتحرك.

لم يلمسه أحد.

تحرك مرة.

ثم توقف.

ثم تحرك مرة أخرى.

وأخيرًا انفتح الباب ببطء.

كانت الغرفة مظلمة.

لكن في منتصفها ظهرت مرآة كبيرة لم تكن موجودة من قبل.

اقترب آدم منها بحذر.

نظر إلى انعكاسه.

كان هناك شيء غريب.

انعكاسه لم يتحرك معه.

ظل آدم واقفًا.

أما انعكاسه فابتسم.

ثم رفع يده وأشار إلى شيء خلفه.

استدار آدم بسرعة.

لم يكن هناك أحد.

عاد بنظره إلى المرآة.

هذه المرة كان انعكاسه أقرب إلى الزجاج.

رفع يده ووضعها على المرآة.

ثم كتب بإصبعه:

“أنت مش أول واحد.”

ظهر سطر آخر أسفل الجملة:

“أنت رقم 17.”

بدأت المرآة تتغير.

ظهرت خلف انعكاس آدم وجوه كثيرة.

رجال ونساء وأطفال.

كانوا جميعًا واقفين في ممر مظلم.

وجوههم شاحبة، وعيونهم ثابتة باتجاه آدم.

ثم ظهرت خلفهم صورة لباب خشبي.

وعليه الرقم:

4

وفجأة اقترب أحد الأشخاص الموجودين داخل المرآة من الزجاج.

كان رجلًا في منتصف العمر.

رفع يده وكتب:

“ساعدنا.”

تراجع آدم عن المرآة.

ثم سمع صوتًا خلفه:

— متخافش.

استدار.

كان الحارس واقفًا عند باب الغرفة.

يمسك مصباحًا قديمًا.

قال آدم:

— إنت دخلت إزاي؟

لم يجب الحارس.

بل نظر إلى المرآة وقال:

— كنت أتمنى إنك ما تشوفهاش.

— تشوف إيه؟

اقترب الحارس منه.

— الحقيقة.

— أي حقيقة؟

أخذ الحارس نفسًا عميقًا وقال:

— الطابق الرابع مش طابق عادي.

— أمال إيه؟

— هو مكان بيظهر لما المبنى يختار شخص جديد.

لم يفهم آدم.

— شخص جديد لإيه؟

نظر الحارس إلى الصور الموجودة على الجدار.

كانت هناك صور كثيرة.

سبع عشرة صورة.

في كل صورة شخص مختلف يقف أمام الباب رقم 4.

اقترب آدم من الصور.

في الصورة الأولى كان رجلًا يبدو أنه عاش في المبنى قبل عقود.

في الثانية امرأة.

ثم رجل آخر.

ثم أطفال.

وفي آخر صورة…

كان آدم.

تحت الصورة كُتب:

“المفقود رقم 17.”

تراجع آدم.

— إيه ده؟

قال الحارس:

— كل واحد شاف الطابق الرابع اختفى بعد كده.

— وإنت؟

صمت الحارس.

— إنت شوفت الطابق؟

لم يجب.

— رد عليا!

رفع الحارس عينيه.

وقال:

— من زمان.

شعر آدم بالخوف.

— وإنت اختفيت؟

ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.

— أنا ما اختفيتش.

ثم أضاف:

— أنا اللي بفضل هنا عشان أستقبل اللي بعدي.

اختفت الابتسامة من وجه آدم.

— يعني إيه؟

قبل أن يرد الحارس، سمع الاثنان صوت خطوات في الممر.

خطوة.

ثم أخرى.

ثم أخرى.

كانت تقترب منهما.

نظر الحارس إلى الباب.

وقال بصوت منخفض:

— هو جه.

— مين؟

لم يجب.

توقفت الخطوات أمام الغرفة.

ثم جاء صوت من خلف الباب:

— آدم…

كان صوت آدم نفسه.

فتح الحارس الباب.

لم يكن هناك أحد.

لكن في نهاية الممر ظهر باب جديد.

رقمه:

4

كان الباب مفتوحًا.

وخلفه ظلام كامل.

قال الحارس:

— لو دخلت، مش هتعرف ترجع.

— ولو ما دخلتش؟

نظر إليه الحارس وقال:

— هيدخل هو عندك.

فجأة أُغلقت جميع أبواب الممر في وقت واحد.

ثم انطفأت الأنوار.

وفي الظلام، سمع آدم صوتًا قريبًا جدًا من أذنه:

— أنا مستنيك من زمان.

صرخ آدم وأضاء هاتفه.

كان الحارس قد اختفى.

لم يبقَ أمامه سوى الباب رقم 4.

اقترب آدم منه رغمًا عنه.

وعندما وصل إلى الباب، وجد صورة معلقة بجواره.

كانت صورة حديثة.

صورة التقطت قبل دقائق.

ظهر فيها آدم واقفًا أمام الباب.

وخلفه مباشرة…

كان الحارس.

لكن في الصورة لم يكن الحارس ينظر إلى آدم.

كان ينظر إلى الكاميرا.

ويبتسم.

قلب آدم الصورة.

وجد جملة مكتوبة على ظهرها:

“المفقود رقم 17 لن يكون الأخير.”

وفجأة سمع ثلاث طرقات.

لكنها لم تأتِ من الباب.

جاءت من هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

كانت هناك مكالمة واردة.

اسم المتصل:

آدم.

ظل الهاتف يرن.

ثم توقف.

وصلت رسالة صوتية.

فتحها آدم.

سمع صوته يقول:

— لو سمعت الرسالة دي، يبقى أنا دخلت الطابق الرابع.

صمت لثوانٍ.

ثم أكمل الصوت:

— بس أهم حاجة... متصدقش الشخص اللي هيخرج من الباب.

رفع آدم رأسه ببطء.

تحرك مقبض الباب رقم 4.

وانفتح الباب.

خرج منه شخص.

كان يرتدي نفس ملابس آدم.

نفس وجهه.

نفس صوته.

وقف أمامه وقال:

— أخيرًا... جه دوري أخرج.

ثم انطفأ هاتف آدم.

وعندما عادت الأنوار…

لم يكن هناك أحد في الممر.

لا آدم.

ولا الحارس.

ولا الشخص الآخر.

فقط باب واحد في نهاية الممر.

وعليه الرقم:

4

وفي صباح اليوم التالي، جاء شخص جديد إلى المبنى يبحث عن شقة للإيجار.

سأل حارس العقار:

— عندكم شقة فاضية؟

ابتسم الحارس وقال:

— أيوه، في الدور الخامس.

ثم سأل الرجل:

— والطابق الرابع؟

تغير وجه الحارس.

نظر إلى الممر.

كان هناك باب جديد لم يكن موجودًا بالأمس.

وعليه الرقم:

4

ومن خلفه…

جاءت ثلاث طرقات.

طق... طق... طق.image about الطابق الذي لا وجود له ( الجزئ الثاني)

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
عبد الملك تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

3

متابعهم

0

مقالات مشابة
-