في هذا المقال
الجزء الثاني
لكن الإحساس لم يكن مجرد خيال، كان هناك شيء خفي لا تراه، شيء بدأ يقترب منها شيئًا فشيئًا. ولم يكن ظهوره صدفة، كأن هذا الكائن كان ينتظر منها لحظة ضعف حتى يجد طريقًا إليها.
وفي وسط كل ذلك، كان الشيء الوحيد الذي بدأ يقطع عليها عزلتها هو وجود أمها.
بدأت والدتها تتواجد في البيت بصورة أكبر، وبدأت تلاحظ التغير الواضح على وجه ابنتها. كانت ترى علامات التعب والإرهاق والتشتت في عينيها، 
فسألتها بقلق:
— مالك؟ ليه وشك أصفر كده؟ وشك مخطوف... إيه اللي حصل؟
نظرت إليها وأجابت سريعًا:
— مفيش حاجة، أنا كويسة.
لكنها في داخلها كانت غاضبة.
هي جاية تسألني دلوقتي؟ طول الوقت وأنا موجودة، محدش كان بيسألني مالك... دلوقتي بس بدأتوا تلاحظوا؟
لم ترغب في الحديث، فهربت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
ولم تكن تعرف أن الغرفة التي كانت تهرب إليها من العالم أصبحت هي المكان الذي ينتظرها فيه شيء آخر.
كانت غرفتها مختلفة عن باقي البيت؛ سقفها يشبه الليل، وكانت تقضي معظم وقتها بداخلها، بعيدًا عن الجميع. وهناك، بدأ وجود ذلك الكيان يزداد وضوحًا.
في البداية كانت تخاف.
كانت تشعر بوجوده حولها دون أن تراه، وتشعر أحيانًا أنه يراقبها، وأحيانًا أخرى كأنه يحاول طمأنتها. ومع مرور الوقت، بدأت تتأقلم مع وجوده، بل بدأت تشعر بشيء لم تعتده من قبل…
الاهتمام.
كان كيانًا خفيًا، لكنها لم تعد تشعر أنها وحيدة.
وبدأ يظهر لها في أحلامها، لكن ليس بهيئته المرعبة؛ بل في صورة شاب شديد الوسامة، بملامح جذابة وحضور غريب يجعلها لا تريد أن تستيقظ من حلمها.

شيئًا فشيئًا، تحوّل خوفها إلى فضول... ثم إلى إعجاب.
لكن في أحد الأيام، استيقظتواخذت دوشا وبدأت تغير ملابسها، فتوقفت فجأة.
كان هناك ألم في ذراعها.
نظرت إليها، فتجمدت في مكانها.
خدوش طويلة تمتد على ذراعها، وآثار غريبة تشبه آثار أظافر، لكنها لم تكن كأظافر إنسان.
والأغرب أنها شعرت وكأن يدين كانتا تمسكان بذراعها من أعلى كتفها حتى أسفل ذراعها.

صرخت، واتهمت أهلها بأن أحدًا منهم فعل بها ذلك.
لكنهم نظروا إليها بدهشة وخوف، ولم يفهموا ما الذي تتحدث عنه.
قرروا أخذها إلى الطبيب.
وبعد الفحص، أخبرها الطبيب أن هذه العلامات قد تكون مرتبطة بالإرهاق أو الضغط النفسي، وربما حدثت أثناء الاستحمام أو دون أن تنتبه هي لنفسها، ثم نصحها بزيارة طبيب نفسي.
لكنها رفضت.
اختارت العودة إلى البيت، والصمت، وإغلاق كل الأبواب بينها وبين أهلها.
وبدأ أهلها يلاحظون أن شيئًا ما تغير فيها…
تغير شكلها، وتغير جسدها، وبدأت تخسر من وزنها، وأصبحت شاردة طوال النهار، وعيناها لا تستقران في مكان.
وفي أحد الأيام، جاءت أمها وقالت:
— بابا عايز يكلمك.
توقفت أمام والدها، لكنه بدأ يتحدث معها عن اهتمامهم بها وخوفهم عليها.
كانت تسمع كلامه، لكنها لم تشعر به.
فكل هذا الاهتمام جاء متأخرًا في نظرها.
وكل ما كانت تريده وقتها هو أن ينتهي الحديث سريعًا…
حتى تعود إلى غرفتها.
إلى المكان الوحيد الذي أصبحت تشعر فيه أنها ليست وحيدة.
تابع جديد Radwa Hamdy
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق