لنداء المحظور: لماذا لا يجب أن تفتح الباب بعد منتصف الليل؟
العنوان: النداء المحظور: سر الغرفة رقم 404 وما وراء جدرانها
يقولون إن الفضول هو الخيط الرفيع الذي يجر الإنسان نحو حتفه، لكن في حالتي، لم يكن الفضول وحده هو المحرك، بل كان الشعور بالوحدة والحاجة إلى ملاذ رخيص الثمن في مدينة لا ترحم الغرباء. بدأت الحكاية عندما استأجرت شقة في بناية قديمة تقع في زاوية منسية من وسط المدينة، بناية تفوح منها رائحة الورق القديم والتراب، وتغلف جدرانها طبقة من الصمت المريب الذي يشبه السكون الذي يسبق العواصف الكارثية.
التحذير الأول
في ليلتي الأولى، وبينما كنت أحمل حقائبي المتهالكة، استوقفني الحارس العجوز، رجل ملامحه محفورة بالخوف قبل التجاعيد. قال لي بصوت مبحوح وهو يتجنب النظر في عيني: "يا بني، في هذا المكان الجدران لها ذاكرة، والليل له قواعد. لا تفتح الباب لأحد بعد منتصف الليل، مهما كان الصوت مألوفاً، ومهما كانت حاجتك للاستجابة. تجاهل كل شيء ونم". اعتبرت كلامه مجرد خرافات ينسجها كبار السن لإضفاء هالة من الغموض على أماكنهم المهجورة، فابتسمت له بسخرية ودخلت غرفتي.
ليلة الانكشاف
عندما دقت الساعة الثانية صباحاً، تحولت الأجواء حولى بشكل مفاجئ. انخفضت درجة حرارة الغرفة حتى تصاعد بخار أنفاسي، وبدأ شعور بالثقل يطبق على صدري. فجأة، سمعت طرقات خفيفة، إيقاعية، وهادئة على باب شقتي. في البداية، ظننتها ريحاً تعبث بالأبواب، لكن الطرقات تكررت، وأعقبها صوت همس ناعم ينادي اسمي: "أحمد.. افتح الباب، لقد نسيت مفاتيحي في الداخل".
تجمدت الدماء في عروقي؛ كان الصوت نسخة طبق الأصل من صوت والدتي، بنفس النبرة الحنونة التي أعرفها، لكن أمي كانت على بعد مئات الكيلومترات! اقتربت من ثقب الباب بيد ترتجف، ونظرت للخارج. لم يكن هناك أحد، فقط سواد حالك يملأ الممر الطويل، رغم أن أضواء البناية كانت تعمل منذ لحظات. عدت للخلف، لكن الصوت بدأ يتحول؛ لم يعد صوت أمي، بل أصبح صرخة مكتومة، تداخلت فيها أصوات عشرات البشر وكأنهم يصرخون من خلف جدار عازل.
لغز الغرفة الملعونة
في اليوم التالي، اكتشفت أن جاري المباشر ليس بشراً، بل هي الغرفة رقم 404، غرفة مغلقة بسلاسل حديدية ضخمة وأقفال صدئة، وعليها علامات طلاسم لم أفهم معناها. سألت أحد السكان القدامى، فقال لي والذعر يملأ وجهه: "قبل سنوات، سكن هناك رجل كان يجمع الأصوات والذكريات، يقال إنه فتح ثقباً في جدار الواقع، ومنذ ذلك الحين، الغرفة تبحث عن بديل له. هي لا تأكل الأجساد، بل تسرق هويتك، صوتك، وملامحك".
في ليلتي الأخيرة هناك، لم أسمع طرقات، بل وجدت التلفاز يعمل من تلقاء نفسه. كانت الشاشة تعرض مشهداً لي وأنا نائم في غرفتي، والكاميرا تتحرك ببطء من زاوية السقف. رأيت في الفيديو ظلاً أسود طويلاً ينحني فوقي، يمد أصابعه الطويلة نحو حنجرتي وكأنه يسحب شيئاً غير مرئي منها. في تلك اللحظة، أدركت أن الكيان في الغرفة 404 قد حصل على ما يريد.
الهروب من الظل
جمعت أغراضي في جنون وهربت نحو المخرج. وعندما وصلت إلى الشارع ونظرت خلفي نحو نافذة شقتي في الطابق الرابع، رأيت "أنا" واقفاً هناك، ألوح لنفسي بابتسامة باردة غريبة، وأسمع في عقلي صوتي الخاص يقول: "اذهب أنت.. أنا سأبقى هنا للأبد". منذ ذلك اليوم، وأنا أعيش بلا صوت، وبلا ذكريات واضحة، مدركاً أن الجزء الأهم مني ما زال حبيساً في تلك البناية الملعونة.