انعكاس متأخر امام المرأه

انعكاس متأخر
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل. عاد يوسف إلى منزله مرهقاً، وجسده يطالب بالنوم. دخل الحمام، غسل وجهه بالماء البارد لعلّه يستعيد بعض التركيز، ثم وقف أمام المرآة الكبيرة ليتفقد وجهه المتعب.
التفت ليأخذ المنشفة المعلقة على الحائط خلفه. تحركت يده، والتقط القماش، ومسح وجهه. ولكن، في تلك اللحظة بالذات، شعر برعشة باردة تسري في عموده الفقري. ثوانٍ معدودة مرت قبل أن يدرك عقله الكارثة.
عندما التفت ليأخذ المنشفة، لمح بطرف عينه شيئاً لم يكن ينبغي أن يحدث.
أعاد نظره بسرعة إلى المرآة. كان يوسف الحقيقي واقفاً، يمسك بالمنشفة ويمسح وجهه. لكن يوسف الذي داخل المرآة... كان لا يزال واقفاً كما هو، ينظر إلى الأمام مباشرة، ويداه مسترخيتان بجانبه!
تجمّد الدم في عروق يوسف. أنفاسه تلاحقت وضاق صدره. تراجع خطوة إلى الخلف، وفي المرآة، تراجع الانعكاس أيضاً، لكن بتأخر ملحوظ لثانية واحدة. كان الأمر أشبه بالبث المباشر الضعيف على الإنترنت، حيث يتأخر الفيديو عن الواقع.
حاول يوسف تكذيب عينيه. "أنا مرهق، هذا مجرد هلاوس من قلة النوم"، تمتم في سرّه. رفع يده اليمنى ببطء ليلمس أرنبة أنفه. انتظر... وبعد ثانية كاملة، رفع الانعكاس يده اليمنى ولمس أنفه. لكن الصدمة الأكبر كانت في عيني الانعكاس؛ لم تكن عيون شخص خائف، بل كانت عيوناً تحمل نظرة خبيثة، حادة، ومتربصة.
فجأة، انطفأت أنوار الشقة كلها إثر عاصفة في الخارج. حلّ الظلام الدامس لثوانٍ معدودة، سُمع فيها صوت أنفاس قريبة جداً... أنفاس لم تكن تصدر من صدر يوسف.
عندما عاد التيار الكهربائي بعد لحظات، كاد قلب يوسف أن يتوقف.
لم يكن هناك أي تأخير هذه المرة. كان الانعكاس يتحرك في نفس اللحظة تماماً. ولكن... كان يبتسم. ابتسامة عريضة غير بشرية، تمتد من الأذن إلى الأذن، تكشف عن أسنان مدببة. والأسوأ من ذلك؟ الانعكاس كان يتقدم نحو زجاج المرآة من الداخل، بينما يوسف الحقيقي واقف في مكانه من الرعب، لا يتحرك.
ارتطمت يد الانعكاس بزجاج المرآة من الداخل، وظهرت بصمات يده واضحة على السطح الفاصل بين العالمين. وبصوت يشبه فحيح الأفاعي، خرج صوت من خلف الزجاج يقول: “شكراً لك... لقد تعبت من الانتظار في هذا الجانب.. حان دورك لتجرب الظلام.”
قبل أن يملك يوسف القدرة على الصراخ، امتدت يد من داخل المرآة، واخترقت السطح الزجاجي كأنه ماء سائل، وقبضت على ياقة قميصه بقوة هائلة، وسحبته إلى الداخل.
في الصباح التالي، أشرقت الشمس وهدأ كل شيء. في الشقة القديمة، وقف "يوسف" أمام المرآة، يصفف شعره بعناية، ويعدل ياقة قميصه بابتسامة هادئة ومتطابقة تماماً مع حركاته. التفت وخرج من الشقة ليمارس حياته الطبيعية وسط الناس.
أما داخل المرآة، في ذلك البعد المظلم والبارد، كان يوسف الحقيقي يصرخ ويدق على الزجاج بكل قوته، مستغيثاً بالعالم الخارجي... لكن لا أحد كان يسمعه، ولن يلاحظ أحد أبدًا أن يوسف الذي يسير في الشوارع اليوم... هو مجرد انعكاس هرب من سجنه.