"الطريق الغامض.. رحلة لم يعد منها أحد"
الطريق الغامض
في إحدى القرى الهادئة، كان هناك طريق قديم يمر بين غابة كثيفة وجبل صخري شاهق. لم يكن أحد يجرؤ على السير فيه بعد غروب الشمس، فقد تناقل الأهالي قصصًا غريبة عنه منذ عشرات السنين. كانوا يسمونه الطريق الغامض، ويؤكدون أن كل من دخله ليلًا سمع أصواتًا مجهولة، ورأى أشياءً لا يمكن تفسيرها.
لم يصدق الشاب "كريم" تلك الحكايات، واعتبرها مجرد خرافات يرددها كبار السن لتخويف الأطفال. وفي إحدى الليالي، قرر أن يثبت للجميع أن الطريق آمن، فأخذ مصباحًا يدويًا وانطلق بسيارته نحو المكان.
كان الليل ساكنًا بشكل مخيف، والقمر مختبئًا خلف السحب. وما إن دخل الطريق حتى بدأ الضباب يزداد كثافة، حتى أصبح بالكاد يرى بضعة أمتار أمامه. فجأة تعطلت شبكة الهاتف، ثم انطفأ راديو السيارة وحده، لتعم حالة من الصمت الثقيل.
بعد دقائق لمح رجلًا عجوزًا يقف على جانب الطريق، يلوح له بيده طالبًا المساعدة. أوقف كريم السيارة وفتح النافذة، لكن العجوز لم يتحدث، بل اكتفى بالإشارة إلى الأمام بعينين جامدتين. شعر كريم بقشعريرة، فانطلق بسرعة تاركًا الرجل خلفه.
بعد مسافة قصيرة نظر في المرآة، فتجمد في مكانه. كان العجوز يجلس في المقعد الخلفي، يحدق إليه بصمت. التفت كريم بسرعة إلى الخلف، فلم يجد أحدًا، لكنه عندما أعاد نظره إلى الطريق كاد يصطدم بشجرة ضخمة ظهرت فجأة أمامه.
خرج من السيارة وهو يلهث، ليكتشف أن الطريق الذي سار فيه اختفى تمامًا، وأصبح محاطًا بالغابة من كل الجهات. حاول العودة، لكنه كان كلما سار بضع دقائق يعود إلى سيارته وكأنه يدور في دائرة لا نهاية لها.
ثم بدأ يسمع همسات خافتة تأتي من بين الأشجار. لم يستطع فهم الكلمات، لكنها كانت تزداد وضوحًا كلما تقدم. وفجأة ظهرت عشرات الظلال السوداء بين الضباب، تتحرك ببطء نحوه دون أن تصدر أي صوت.
ركض كريم بكل قوته حتى وصل إلى باب خشبي قديم يقف وحده وسط الغابة. لم يكن هناك منزل أو سور، مجرد باب قائم في الفراغ. دفعه ببطء، فإذا به يرى الطريق من الجهة الأخرى مضاءً وكأن شيئًا لم يحدث.
اندفع عبر الباب، وعاد إلى سيارته وانطلق بأقصى سرعة حتى وصل إلى القرية قبل شروق الشمس. وعندما أخبر السكان بما رآه، نظر إليه شيخ القرية بحزن وقال:
“لقد كنت محظوظًا... فكل من رأى ذلك الباب قبلك لم يعد أبدًا.”
مرت سنوات، ولم يقترب كريم من ذلك المكان مرة أخرى. لكن الغريب أنه في كل ليلة ممطرة، كان يسمع طرقات خفيفة على باب منزله. وعندما ينظر من النافذة، لا يرى أحدًا.
وفي إحدى الليالي، قرر أن يفتح الباب.
لم يجد أحدًا في الخارج... سوى آثار أقدام مبتلة تمتد من عتبة المنزل حتى داخل غرفته، وكأن شيئًا دخل قبل أن يفتح الباب.
وفي صباح اليوم التالي، اختفى كريم دون أن يترك أي أثر، ولم تعثر الشرطة إلا على مصباحه اليدوي القديم ملقى عند مدخل الطريق الغامض، بينما كانت على التراب آثار أقدام تتجه إلى داخل الضباب... ولا تعود منه أبدًا.