همسات البئر الأسود

همسات البئر الأسود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

همسات البئر الأسود

 

 

 

في أقصى أطراف قرية صغيرة لا تظهر على الخرائط الحديثة، كان يقف منزل حجري مهجور تحيط به الأشجار اليابسة من كل جانب. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه بعد غروب الشمس، لأن كبار السن كانوا يرددون دائمًا أن شيئًا مظلمًا يسكن الأرض التي بني عليها المنزل.

وصل "سليم" إلى القرية بعد وفاة عمه الذي ترك له المنزل القديم. لم يكن يؤمن بالخرافات، وظن أن كل ما يسمعه مجرد قصص يرويها الناس لتخويف الأطفال. في أول ليلة، وبينما كان ينظف المنزل، سمع صوتًا خافتًا يشبه الهمس يأتي من خارج النافذة. 

خرج يحمل مصباحًا صغيرًا، ولاحظ وجود بئر قديم مغطى بالأعشاب والحجارة. اقترب منه بحذر، وعندما سلط الضوء إلى الداخل، لم ير سوى ظلام حالك. لكن الهمسات أصبحت أوضح، وكأن أحدًا يناديه باسمه.

عاد إلى المنزل وهو يحاول إقناع نفسه بأنه يتخيل، إلا أن الهمسات استمرت طوال الليل. ومع كل ساعة تمر، كانت الأصوات تزداد قوة حتى تحولت إلى كلمات مفهومة: “أنقذني... أنا في الأسفل.”

في صباح اليوم التالي سأل أهل القرية عن البئر، فتغيرت ملامحهم فورًا. أخبره شيخ عجوز أن البئر أغلق منذ أكثر من سبعين عامًا بعدما اختفى داخله عدد من الأطفال، وأن كل من حاول اكتشاف الحقيقة لم يعد أبدًا.

رفض سليم تصديق القصة، واشترى حبلًا طويلًا وقرر النزول بنفسه. ومع كل متر ينزل فيه، كانت درجة الحرارة تنخفض بشكل مخيف، ورائحة العفن تزداد شدة. وصل أخيرًا إلى القاع، لكنه لم يجد ماءً، بل ممرًا حجريًا ضيقًا يمتد في الظلام.

تابع السير حتى وصل إلى غرفة واسعة تتوسطها مرآة سوداء ضخمة. وما إن نظر إليها حتى رأى انعكاسه يبتسم، رغم أن وجهه الحقيقي كان جامدًا. تراجع مذعورًا، لكن صورته داخل المرآة لم تتحرك معه، بل خرجت منها ببطء.

أخذ الشبيه يقترب وهو يهمس: “كنت أنتظرك منذ سنوات... والآن جاء دورك.”

ركض سليم نحو الحبل ليهرب، لكنه وجده مقطوعًا. بدأت الجدران تهتز، وامتلأت الغرفة بأصوات مئات الأشخاص الذين كانوا يصرخون طلبًا للنجدة. ثم ظهرت أيادٍ سوداء تخرج من الأرض وتمسك بقدميه.

حاول المقاومة بكل قوته، لكن الظلام ابتلعه بالكامل.

في صباح اليوم التالي، جاء بعض سكان القرية بعدما لاحظوا اختفاء سليم. وجدوا الحبل ممزقًا، وآثار أقدام تنتهي عند حافة البئر، دون أي أثر له. أعادوا إغلاق البئر بالحجارة كما فعل أجدادهم، وحذروا الجميع من الاقتراب منه.

مرت سنوات طويلة، وتحول المنزل إلى خراب. لكن المسافرين الذين يمرون بجواره ليلًا يؤكدون أنهم يسمعون همسات خافتة تخرج من أعماق الأرض.

ويقول بعضهم إن الهمسات لا تطلب النجدة فقط، بل تنادي كل شخص باسمه.

أما الأكثر رعبًا، فهو أن من يلتفت إلى مصدر الصوت، يسمع همسة أخيرة تقول: “لقد وصلت أخيرًا... كنت أنتظرك.”

ومنذ تلك اللحظة، لا يراه أحد مرة أخرى.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Basem تقييم 0 من 5.
المقالات

0

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-