الظل الذي لم يغادر المرعب

الظل الذي لم يغادر المرعب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الظل الذي لم يغادر

هناك أماكن في هذا العالم لا ينبغي للإنسان أن ينبش في أسرارها، لأن الأسرار المظلمة أحياناً تعود للتنفس.

في أطراف قرية قديمة يكسوها الضباب دائماً، كليالي الشتاء الأبدية، يقف منزل عائلة "آل هارت". منزلٌ مهجور منذ تسعينيات القرن الماضي، بعد أن اختفت العائلة بأكملها في ليلة واحدة دون أن يتركوا أثراً يذكر، سوى وجبة عشاء لم تُؤكل، وساعة حائط توقفت عقاربها تماماً عند الساعة 3:17 فجراً.

كان "مالك" مصوراً شغوفاً بالظواهر الغامضة والأماكن المنسية. بالنسبة له، كان منزل "آل هارت" هو الكنز الأكبر الذي سيتوج مسيرته الرقمية. رغم تحذيرات كبار السن في القرية الذين قالوا له إن "الأرض هناك تأكل الأصوات"، حمل عدساته واندفع في جوف الليل.

عندما فتح الباب الخشبي المتهالك، أصدر صفيراً يمزق الصمت الساكن. رائحة العفن والرطوبة كانت خناقة، والجدران كانت مغطاة بطبقات كثيفة من غبار السنين. مشى مالك بين الممرات الحجرية الضيقة، وصوت خطواته يعود إليه كأنه صدى لخطوات شخص آخر يمشي خلفه تماماً.

أخرج كاميرته وبدأ لالتقاط الصور. تنقل بين الغرف المظلمة حتى وصل إلى الغرفة الرئيسية في الطابق الثاني. في منتصف الغرفة، كانت هناك مرآة طولية ضخمة، إطارها الخشبي المحفور يجسد أشكالاً غريبة لتمثيل وجوه تصرخ.

وقف مالك أمام المرآة. رفع الكاميرا إلى مستوى عينيه، وشغّل الوميض (Flash).

"واو..." هنس بها لنفسه وهو ينظر إلى الشاشة الصغيرة للكاميرا.

في الصورة، لم يكن وحده. كان هناك كائن أسود ممتد، ينحني فوق كتفه الأيمن، وأصابعه الطويلة الدقيقة تلامس عنقه تقريباً.

سرى في جسده رعب تجمدت له الدماء في عروقه. سارع بالنقص إلى الخلف، ورفع رأسه لينظر في المرآة الحقيقية... لكنه لم يرَ شيئاً سوى انعكاسه هو، متعرّقاً ويرتجف.

تنفس الصعداء، محاولاً إقناع نفسه بأنها مجرد خدعة بصرية أو خلل في عدسة الكاميرا. ولكن، في تلك اللحظة بالذات، سمع صوت همس حاد وبارد يبث مباشرة داخل أذنه اليمنى:

"لقد رأيتني... أخيراً."

تجمّد مالك في مكانه. تجرأت عيناه على النظر إلى الأسفل، نحو الأرضية الخشبية تحت قدميه. كان ضوء القمر ينسكب من النافذة المكسورة، يلقي بظله على الأرض.

ولكن، لم يكن هناك ظل واحد... بل ظلان.

أحدهما كان ظله الطبيعي، أما الظل الثاني، فكان يمتد ويميل نحوه، ويرفع يدين طويليتين ببراثن حادة باتجاه رقبة مالك!

صرخ مالك وألقى بالكاميرا على الأرض، وركض بأقصى سرعة ممكنة نحو الدرج. كانت السلالم تتأوه تحت قدميه، والأبواب المجاورة تُغلق وتُفتح بقوة من تلقاء نفسها. الصمت الحذر تحول إلى معزوفة مرعبة من الصراخ المكتوم والهسيس الذي يطوق المكان.

وصل إلى الباب الخارجي، دفعه بكل قوته، وانطلق ركضاً في الحقول المظلمة، لا يلوي على شيء، حتى وصل إلى سيارته. أغلَق الأبواب وشغّل المحرك وانطلق كالرمز، وقلبه يقرع كطبول الحرب.

تنفس بألم وهو يبتعد عن المنزل، مشيراً لنفسه بأنه نجح في الهروب. ولكن عندما نظر في مرآة السيارة الداخلية ليرى الطريق خلفه، توقف قلبه عن النبض.

في المقعد الخلفي للسيارة، تحت الضوء الخافت للمؤشرات، كان يجلس ظل عالي الاستطالة، وابتسامة بيضاء شاحبة عريضة ترتسم وسط الظلام، وهسست النبرة ذاتها من جديد:

"لماذا تجري؟ نحن لم ننتهِ بعد..."

image about الظل الذي لم يغادر المرعب
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

3

متابعهم

4

متابعهم

4

مقالات مشابة
-