لهمس خلف الجدار
الهمس خلف الجدار
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، والهدوء في هذا الشارع القديم ليس مجرد غياب للصوت، بل هو كائن حاد الأظافر ينقض على الأنفاس. يعيش "آدم" بمفرده في شقة استأجرها حديثاً في بناء يعود لطراز الأربعينيات، بناء ذو طابع رمادي وجدران حجرية سميكة. لم يكن يرغب في العيش هنا، لكن السعر الرخيص والهدوء الظاهري كانا مغريين لكاتب يبحث عن العزلة.
بدأت القصة في الليلة الثالثة.
بينما كان يستعد للنوم، سمع خبطاً خفيفاً وجافاً، وكأن شخصاً يقرع بأظافره على الحائط الملاصق لسريره. تجمّد آدم في مكانه، متذكراً أن تلك الشقة المجاورة فارغة ومغلقة منذ سنوات طويلة بعد حادثة غامضة أودت بحياة ساكنيها. حاول إقناع نفسه بأنها مجرد أنابيب مياه قديمة أو فئران تحفر في الأخشاب. لكن الصوت لم يكن عشوائياً؛ كان يتبع إيقاعاً منتظماً... أربع ضربات، ثم توقف، ثم أربع ضربات أخرى.
مع مرور الأيام، لم يعد الأمر يقتصر على القرع. في ليلة شديدة البرودة، استيقظ آدم على شعور بخطوات ثقيلة في ممر الشقة. كانت الأجواء برودة بشكل غير طبيعي، حتى إن نَفَسه كان يخرج على شكل بخار أبيض. انقبض قلبه وهو يراقب مقبض باب غرفته يتحرك ببطء شديد إلى الأسفل.
توقف المزدوج، وصدر صوت احتكاك ناعم، كأن شيئاً يزحف على الأرضية الخشبية خلف الباب تماماً. استجمع آدم شجاعته وصرخ بصوت مرتجف: "من هناك؟".
انقطع الصوت فجأة. خيم سكون مرعب لعدة ثوانٍ، ثم جاء الرد... لم يكن من خلف الباب، بل من تحت سريره.
كان همساً مبحوحاً، خاوياً من أي طابع بشري، ينطق اسمه ببطء: "آااادم...".
قفز من السرير مذعوراً، وإذا بالمصباح الكهربائي يرمش بسرعة قبل أن ينطفئ تماماً، ليتغطى المكان بظلام دامس. لم يقتصر الأمر على الظلام، بل امتلأت الغرفة برائحة كبريت وعفن خانقة. تملك الرعب منه إلى حدّ أفقده القدرة على الحركة أو الصراخ. شعر بهواء بارد يلامس مؤخرة عنقه، وزفير خفيف يتنفس عند أذنه مباشرة.
جثا على ركبتيه يحاول الوصول إلى هاتفه الخلوي، وحين أضاء شاشة الهاتف الشاحبة، لم يرَ أحداً أمامه في الممر. لكن عندما وجه الضوء نحو المرآة المعلقة على الحائط، توقف عقله عن التفكير من هول ما رأى.
لم تكن المرآة تعكس صورته وحده. كان يقف خلفه كائن أطول من المعتاد، بجسد هسيل وشاحب كالموتى، وجلد مشدود على العظام بدون أعين—فقط حفرتان سوداوان ينبعث منهما سائل داكن. وكانت ابتسامته تتسع بشكل غير طبيعي لتمتد من الأذن إلى الأذن، كاشفة عن أسنان حادة ومدببة.
في تلك اللحظة، أدرك آدم أن هذا الشيء لم يكن يحاول اقتحام شقته من الخارج، بل كان حبيساً في الداخل معه منذ اليوم الأول.
استدار آدم بسرعة نحو الباب ليهرب، لكن الباب أُغلق بقوة عاتية، وسُمع صوت القفل وهو يتجه تلقائياً إلى وضع الإغلاق. انطفأت شاشة الهاتف تماماً. وفي الظلام التام، سمع آدم الصوت المبحوح يهمس مرّة أخيرة، ولكن هذه المرة كان الهمس متصلاً بأذنه مباشرة:
“أخيراً... أصبحت الشقة مكتمِلة.”

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق