الطرقة الثالثة ( مابعد منتصف الليل)

الطرقة الثالثة ( مابعد منتصف الليل)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات




image about الطرقة الثالثة ( مابعد منتصف الليل)  
الطرقة الثالثة





لم أكن أؤمن بقصص الرعب التي يتداولها الناس على الإنترنت، وكنت دائمًا أعتقد أن أغلبها مجرد خيال أو محاولات لجذب الانتباه. لكن بعد ما مررت به، أصبحت أتمنى لو أنني بقيت على هذا الاعتقاد، لأن الحقيقة كانت أسوأ بكثير مما كنت أتخيل.

كنت أعيش وحدي في شقة صغيرة بالدور الخامس داخل عمارة قديمة. المكان هادئ جدًا لدرجة أنك تستطيع سماع صوت عقارب الساعة بوضوح في منتصف الليل. في البداية كنت أستمتع بهذا الهدوء، لكنه تحول مع الوقت إلى شيء يخيفني، خاصة بعد أن بدأت أسمع طرقات خفيفة على باب الشقة كل ليلة، تحديدًا في الساعة الثالثة إلا ثلاث دقائق.

في الليلة الأولى تجاهلت الأمر، وظننت أن أحد الجيران أخطأ في الباب. أما في الليلة الثانية، تكرر الصوت بنفس القوة ونفس التوقيت. اقتربت من الباب ونظرت من العين السحرية، لكن الممر كان فارغًا تمامًا. لم يكن هناك أي شخص، ولا حتى صوت خطوات مبتعدة.

في الصباح أخبرت حارس العمارة بما حدث، فضحك وقال إن المبنى قديم، وإن تمدد الحديد والخشب أحيانًا يصدر أصواتًا غريبة. اقتنعت بكلامه وعدت إلى عملي، لكن شيئًا في داخلي لم يكن مرتاحًا.

مرت الأيام، وأصبحت الطرقة عادة يومية. الغريب أنها لم تكن واحدة، بل ثلاث طرقات متتالية، يفصل بينها ثوانٍ قليلة. الأولى خفيفة، الثانية أقوى، والثالثة عنيفة لدرجة تجعل الباب يهتز وكأن شخصًا يحاول اقتحامه.

في إحدى الليالي قررت أن أفتح الباب فور سماع الطرقة الأولى، لكن قبل أن أصل إليه توقف الصوت تمامًا. نظرت من العين السحرية، ولم أرَ شيئًا. وعندما هممت بالعودة إلى غرفتي، سمعت همسًا خافتًا خلف الباب يقول باسمي بوضوح شديد.

تجمدت في مكاني. لم أخبر أحدًا بعنوان شقتي سوى أفراد عائلتي، وصوت الهمس لم يكن يشبه صوت أي شخص أعرفه. كان باردًا، بطيئًا، وكأنه يخرج من مكان بعيد جدًا.

في اليوم التالي سألت جميع الجيران إن كانوا يسمعون شيئًا مشابهًا، لكن المفاجأة أن معظمهم رفض الحديث، بينما نظرت إليّ امرأة مسنة كانت تسكن آخر الممر وقالت بصوت مرتجف: "إذا سمعت الطرقة الثالثة... لا تفتح الباب مهما حدث، حتى لو سمعت صوت أقرب الناس إليك."

ضحكت وقتها معتقدًا أنها تؤمن بالخرافات، لكنني لاحظت شيئًا غريبًا. كانت تنظر خلفي باستمرار، وكأن هناك شخصًا يقف عند باب شقتي رغم أن الممر كان خاليًا تمامًا في تلك الليلة لم أستطع النوم. أغلقت جميع النوافذ، وأطفأت الأنوار، وجلست أراقب الساعة. عندما اقترب الوقت، بدأت دقات قلبي تتسارع بشكل لم أشعر به من قبل. كانت العقارب تتحرك ببطء، وكأنها تستمتع بتعذيبي. وما إن وصلت الساعة إلى الثالثة إلا ثلاث دقائق حتى دوى الصوت من جديد.

طق... طق...

وقفت في مكاني دون أن أتحرك. تذكرت كلام المرأة العجوز، لكن فضولي كان أقوى من خوفي.

ثم جاءت الطرقة الثانية، وكانت أعنف من سابقتها.

طق...

بعدها ساد صمت ثقيل لعدة ثوانٍ، ثم سمعت صوت أمي تبكي خلف الباب وتناديني باسمي. أقسم أن الصوت كان مطابقًا لصوتها تمامًا. هرعت إلى هاتفي واتصلت بها، لكنها أجابتني وهي نائمة في منزلها، ولم تكن تعلم شيئًا عما يحدث.

أغلقت الهاتف وأنا أرتجف. إذا كان هذا صوتها، فمن الذي يقف خلف الباب؟

وقبل أن أستوعب ما يحدث، جاءت الطرقة الثالثة.

طــــق!

اهتز الباب بقوة، وانطفأت الكهرباء في الشقة بالكامل. لم يعد أمامي سوى ضوء شاشة الهاتف. اقتربت ببطء من العين السحرية، ونظرت إلى الخارج.

في البداية لم أرَ شيئًا، ثم ظهرت عين واحدة فقط، ملتصقة تمامًا بالعين السحرية من الجهة الأخرى، وكأن صاحبها كان ينظر إليّ في اللحظة نفسها.

صرخت وابتعدت للخلف، لكن الصوت بدأ يضحك. لم تكن ضحكة إنسان، بل شيء يشبه اختلاط ضحكات عشرات الأشخاص في صوت واحد.

استمر الطرق لدقائق، ثم توقف فجأة.

مع أول ضوء للصباح فتحت الباب وأنا أرتجف. لم يكن هناك أحد، لكن وجدت على الأرض ورقة قديمة مكتوبًا عليها بخط باهت:

"لقد نجوت هذه الليلة... لكن لا أحد ينجو مرتين."

منذ ذلك اليوم تركت الشقة وانتقلت إلى مدينة أخرى، ولم أخبر أحدًا بسبب رحيلي. حاولت أن أنسى كل ما حدث، ومرت أشهر دون أي شيء غريب، حتى بدأت أقتنع أن الكابوس انتهى.

لكن قبل أسبوع، وبينما كنت أجلس في شقتي الجديدة، نظرت إلى الساعة بالصدفة.

كانت الثالثة إلا ثلاث دقائق.

في اللحظة نفسها سمعت أول طرقة على الباب.

تجمد الدم في عروقي، لأنني كنت أسكن في منزل مستقل، ولا أحد يعرف عنواني الجديد سوى شخص واحد.

رفعت هاتفي لأتأكد من الكاميرا الخارجية، لكنها كانت تعرض الممر فارغًا تمامًا. ومع ذلك استمر الصوت يقترب، وكأن الطرقات لا تأتي من الخارج، بل من داخل الجدار نفسه.

ثم بدأ ذلك الهمس من جديد، بنفس النبرة الباردة التي لم أنسها أبدًا:

"هذه المرة... لن يفيدك الهروب."

ومنذ تلك الليلة، كلما اقتربت الساعة من الثالثة إلا ثلاث دقائق، أطفئ جميع الأنوار وأجلس بعيدًا عن الباب، منتظرًا الطرقات الثلاث. والأسوأ من ذلك أنني لم أعد أخاف من سماعها... بل أخاف من الليلة التي لا أسمع فيها أي طرق، لأنني أدركت أن الدور عندها سيكون عليّ أنا، ولن يكون هناك باب يفصل بيني وبين ذلك الشيء الذي ينتظر في الظلام.بعد أيام من الرعب، قررت أن أعود إلى العمارة القديمة مرة أخيرة. كنت أريد إجابة واحدة فقط: من الذي كان يطرق الباب كل ليلة؟

بحثت عن المرأة العجوز، لكن السكان أخبروني أنها توفيت منذ سنوات، وأن الشقة التي كانت تسكنها مغلقة منذ ذلك الوقت. ظننت أنهم يمزحون معي، لكن عندما فتحوا سجل السكان وجدت اسمها بالفعل بين الوفيات.

في تلك اللحظة ظهر حارس العمارة، ونظر إليّ بحزن وقال:

"أنت الوحيد اللي فضل عايش بعد ما سمع الطرقة الثالثة."

سألته بقلق: "مين اللي كان بيخبط على الباب؟"

أخذ نفسًا عميقًا وقال:

"منذ أكثر من ثلاثين سنة، كان فيه شاب ساكن في نفس شقتك. في ليلة ما، اشتعل حريق في العمارة. الشاب فضل يخبط على أبواب السكان ويحاول يصحيهم، لكن محدش فتح له. مات محروقًا وهو بيحاول ينقذهم."

سكت للحظة ثم أكمل:

"الناس بتقول إن روحه فضلت حبيسة الليلة دي. كل سنة، وفي نفس التوقيت، بيرجع يخبط على الأبواب. لكنه ما بقاش فاكر إنه كان إنسان. بقى شيء تاني... أي حد يفتح له الباب، يفتكره الشخص اللي سابه يموت، فياخده معاه."

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي، لكن الحارس أخرج صورة قديمة من جيبه.

عندما نظرت إليها، توقف قلبي.

الصورة كانت لشاب يقف أمام العمارة... لكنه كان يحمل ملامحي أنا بالكامل.

نفس الوجه... نفس العينين... وحتى الندبة الصغيرة الموجودة فوق حاجبي.

همست وأنا أرتجف:
"مستحيل..."

رد الحارس بصوت خافت:

"يمكن أنت مش أول مرة تعيش... ويمكن اللي كان بيخبط على بابك... كان أنت."

في تلك اللحظة سمعت ثلاث طرقات خلفي.

طق... طق... طــــق.

استدرت بسرعة، لكن لم يكن هناك باب أصلًا.

كان الممر قد اختفى.

ولم أعد أتذكر... هل كنت الشخص الذي كان ينتظر خلف الباب...

أم الشخص الذي سيبدأ الليلة في الطرق على أبواب الآخرين؟

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
انس تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-