همس خلف الزجاج

همس خلف الزجاج

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about همس خلف الزجاج

همس خلف الزجاج

 الرياح تعزف ألحاناً جنائزية على أغصان الأشجار العارية عندما وصلت مريم إلى قريّة "مرتفعات الضباب". كانت القرية تبدو وكأنها سقطت من هامش الزمن؛ بيوت من حجر داكن، وشوارع يكسوها الصمت، وسكان ينظرون إلى الغرباء بريبة جليّة. لم تكن مريم تهتم بنظراتهم، فكل ما كان يشغل بالها هو إنهاء التحقيق الصحفي الذي قد يرفع اسمها إلى قائمة كبار الصحفيين.

استأجرت كوخاً قديماً عند أطراف الغابة، كان يعود في الماضي لطبيب القرية الذي اختفى في ظروف غامضة منذ ثمانين عاماً. عند دخولها، استقبلتها رائحة الرطوبة والأوراق القديمة. كان الأثاث مغطى بملائات بيضاء تشبه الأكفان. قادتها قدمها عبر الرواق الطويل المظلم، وفي نهايته، كانت تقبع مرآة ضخمة بيضاوية الشكل، يحيط بها إطار من النحاس الخشن المنقوش برموز غريبة لم تفهمها.

في الليلة الأولى، بدأت الأحداث بشكل تدريجي. عند الساعة الثالثة صباحاً — وهو الوقت الذي ينكشف فيه الخيط الفاصل بين الواقع والوهم — استيقظت مريم على صوت خدش خفيف. كان الصوت يصدر من الرواق. أخذت مصباحها اليدوي وسارت بخطى ثقيلة نحو مصدر الصوت. عندما سلطت الضوء على المرآة، لم ترَ انعكاساً لغرفتها، بل رأت ضباباً كثيفاً يتحرك داخل الزجاج وكأنه سائل. حكّت عينيها، وظنت أنه مجرد إرهاق السفر، فعادت إلى فراشها.

في الليلة الثانية، أصبح الخدش نقراً منتظماً، مترافقاً مع همس بصوت ناعم ومبحوح ينادي باسمها: "مريم... افتحي النافذة". هذه المرة، عندما توجهت إلى المرآة، رأت انعكاسها هي، لكن الانعكاس لم يكن يقلد أفعالها. كانت مريم الحقيقية تقف متيبسة من الرعب، بينما كانت "مريم التي في المرآة" تبتسم ابتسامة عريضة تتجاوز حدود وجهها البشري، وعيناها فارغتان تماماً من أي بياض.

اقترب الكيان في المرآة ووضع كفه على السطح الزجاجي من الداخل. تسللت برودة قارسة إلى الغرفة، وبدأت طبقة من الجليد تتشكل على حواف الإطار النحاسي. كانت الأنفاس تخرج من فم مريم على شكل بخار أبيض رغم أن الطقس داخل البيت لم يكن بتلك البرودة.

تسمرت مريم في مكانها، عاجزة عن الحركة أو الصراخ. بدأ الزجاج بالاهتزاز فوراً، وظهرت فيه تشققات صغيرة خفيفة، لكن الغريب أن التشققات لم تكن بسبب ضربة من الخارج، بل كانت تخرج من الداخل نحو الخفاء. امتدت يد مطاطية سوداء ذات أظافر حادة من خلال إحدى التشققات، لتتجاوز الحدود الفاصلة بين العالم المظلم والواقع.

جمعت مريم كل ما تبقى لديها من إرادة للنجاة، واستدارت لتركض نحو الباب الخارجي. لكن الرواق بدا وكأنه يمتد إلى الانهائية. كلما ركضت أسرع، كلما ابتعد الباب أكثر، وصوت القشعريرة الناتجة عن تكسر الزجاج يزداد علواً خلف ظهرها.

التفتت خلفها لترى الجسد الهيولى كاملاً قد خرج من المرآة. لم يكن له وجه محدد، بل مجرد فراغ يبتلع الضوء، ويمتد منه آلاف الأيدي الصغيرة التي تشبه أيدي الأطفال المفقودين. سقطت مريم على الأرض حين أمسكت إحدى الأيدي بظلها، وشعرت بسحب شديد يعيدها إلى الخلف، نحو الإطار النحاسي الفارغ الآن.

في الصباح التالي، زار صاحب المنزل الكوخ لجمع الإيجار. وجد الباب مفتوحاً، والمصباح اليدوي ملقى على الأرض، والمرآة النحاسية سالمة تماماً ودون أي تشقق. النظر في المرآة يعكس الغرفة هادئة ومظلمة، باستثناء تفصيل واحد جديد: في الزاوية البعيدة داخل الانعكاس، تقف فتاة تحاول الصراخ ووجهها ملتصق بالزجاج من الداخل، ولكن لا أحد يستطيع سماعها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ashraf Mahdy تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-