قطار منتصف الليل: المحطة الأخيرة

قطار منتصف الليل: المحطة الأخيرة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about قطار منتصف الليل: المحطة الأخيرة

رحله بلا عوده.

سادت برودة مفاجئة داخل قمرة القطار الأخير المتجه شمالاً عند منتصف الليل. كنت الراكب الوحيد في العربة الأخيرة، تحيط بي المقاعد الفارغة المكسوة بالجلد المهرّأ، وزجاج النوافذ الذي لا يعكس سوى الظلام الدامس في الخارج.فجأة، تذبذبت أضواء السقف قبل أن تنطفئ بالكامل لثوانٍ معدودة. وعندما عادت للعمل بنور باهت، لم أكن وحدي.على المقعد المقابل لي تماماً، جلس رجل يرتدي معطفاً أسود قديماً وقبعة تغطي نصف وجهه. كان يمسك بين يديه صحيفة قديمة، وأصابعه نحيلة بدرجة غير طبيعية، بشرتها شاحبة كالموتى وتظهر من تحتها عروق سوداء بارزة.حاولت تجاهله والتركيز في هاتفي، لكن الصمت كان أثقل من أن يُطاق، ولا يقطعه إلا صوت عجلات القطار وهي تطرق الحديد: طقطقة.. طقطقة..التفت نحو النافذة لأتهرب من نظراته، لكن انعكاس الزجاج أراهم شيئاً جعل أنفاسي تتجمد.

في الانعكاس، لم يكن الرجل يقرأ الصحيفة؛ بل كان رأسه مائلاً للوراء تماماً، وعيناه مجوفتان فارغتان تسيل منهما مادة داكنة، وفمه مفتوح على وسعه في صرخة صامتة.عدت ببصري سريعاً نحوه في الواقع، فوجدته ما يزال يمسك بالصحيفة بهدوء كأن شيئاً لم يكن! بلعك ريقي بصعوبة وسألت بصوت يرتجف: “عفواً.. هل تعرف متى نصل المحطة القادمة؟”لم يجبتي. ببطء شديد، أنزل الصحيفة ليريني وجهه. لم يكن له ملامح، كان مجرد جلداً أملس مشدوداً بلا أعين أو أنف، وفقط شق نحيل في مكان الفم.بدأ الشق يتسع ببطء، وخرج منه صوت صفير حاد يشبه هبوب الريح في كاوية:

«هذا القطار لا يتوقف في محطات.. إنه يجمع الأرواح التي نسيت طريق العودة.»

نظرت حول في هلع، لأجد أن المقاعد الفارغة لم تعد فارغة؛ عشرات أشكال الظلال الشاحبة بدأت تظهر على كل كرسياً حول، عيونهم المظلمة متجهة نحوي جميعاً، وأيديهم النحيلة تمتد ببطء لتلمس أطرافي.حاولت القفز والركض نحو باب العربة، لكن المقبض الحديدي كان مجمداً من شدة البرودة. التفت خلفي لأرى الرجل ذو المعطف يقف على بعد إنشات من وجهي، وأصابعه الثلجية تطوق عنقي وهو يهمس:«تذكر الآن.. أنت لم تركب القطار اليوم، بل سقطت تحته منذ أسبوع.»

فتحت عينيّ على وسعهما، وشعرت برأس الدوار يدور بي كأن الأرض تهوي تحت قدمي. تلك الجملة لم تكن مجرد همس، بل كانت مفتاحاً فتح سداً من الذكريات المكبوتة التي تدفقت في عقلي كالسيل: صوت فرامل حاد، صراخ مكتوم، وضياء أبيض باهر أتبعه ظلام تام.. لقد تذكرت كل شيء.تراجعت خطوة إلى الخلف وسقطت على أرضية العربة. أصبحت البرودة تخترق عظامي، والجليد بدأ يتشكل على جدران القطار بخطوط متداخلة تشبه الشرايين. لم يعد هناك صرير للمحركات ولا صوت لطرق العجلات على الحديد، بل ساد صمت مقبرة مطلق، وكأن الزمن قد توقف خارج هذا المكان.انحنى الرجل ذو المعطف الأسود نحوي، واقتربت تلك الوجوه الشاحبة التي ملأت المقاعد. لم تعد نظراتهم تحمل تهديداً، بل كانت مليئة بالحزن والأسى. كانت أيديهم الممتدة نحو جسدي تُمسك بي بنعومة، ليس للإيذاء، بل لتسحبني إلى عالمهم.

قال بصوته الصفيري الذي أصبح الآن هديرًا يملأ المكان:

«لا تخف.. كلنا هنا مررنا بتلك اللحظة. الخوف ينتهي عندما تتقبل الواقع.»نظرّت إلى يديّ المستلقيتين على الأرض، فلاحظت أنهما بدأتا تتلاشيان تدريجياً، وتحولتا إلى أطياف من الدخان البارد. غاب ألم عنقي، واختفى الخوف الشديد الذي كان يعصر قلبي، ليحل محله هدوء غريب وبارد.

استجمعت قواي ووقفت ببطء. لم أعد أرى الرجل ذو المعطف كوحش مرعب، بل كدليل يجمع الأرواح الضائعة على تلك السكة الحديدية التي لا تنتهي. مشيت نحو مقعد فارغ في مقدمة العربة، وجلست عليه كأي راكب منتظم.تطلعت من خلال النافذة، وللمرة الأولى، لم يكن الزجاج يعكس الظلام، بل رأيت أضواء مدينة بعيدة تتلألأ تحت السماء، ومحطة خشبية قديمة ينتظر فيها أشخاص يرتدون أردية بيضاء.توقف القطار بسلاسة دون صرير. فُتحت الأبواب التلقائية، وعاد الصوت الصفيري يتردد للمرة الأخيرة:«وصلنا محطتك.. حان وقت النزول.»

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Wael تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

3

متابعهم

4

مقالات مشابة
-