عقدة لا تنتهي

عقدة لا تنتهي

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about عقدة لا تنتهي

غزل الأرواح: نسيج الكفن

كان الليل يلقي بظلاله الثقيلة على قريتي الجبلية عندما قررت زيارة المنسجة القديمة على أطراف الوادي. كانت المنسجة مهجورة منذ خمسين عامًا، يُشاع بين الأهالي أن خيوطها لم تُغزل من الصوف قط، بل من أنفاس وأرواح من دخلها بعد غياب الشمس. دفعت الباب الخشبي الثقيل، ففاحت رائحة رطوبة معتقة وغبار خنق أنفاسي. أضأت كشاف هاتفي، لتنعكس أضوائه على نول ضخم يقبع في منتصف القاعة، تحيط به بكرات خيوط ذات لون أحمر داكن كالدماء الخاثرة.جلست أمام النول مدفوعًا بفضول أحمق. يداي لامستا الخشب البارد، وفجأة، تحركت البكرة تلقائيًا! بدأ النول يعمل بصوت صرير مرعب يمزق الصمت. تحركت المكوك يمينًا ويسارًا بسرعة فائقة، وأنا عاجز عن سحب يدي التي التصقت بالخشب كأنها صُبّت فيه.

نظرت إلى القماش الجاري غزل٩ه، وتجمد الدم في عروقي. لم تكن الخيوط تُنسج بشكل عشوائي، بل كانت تشكّل تطريزًا دقيقًا لوجهي؛ عيناي الخائفتان، وشفتي المرتجفتان. ومع كل ضربة نول، كنت أشعر بوخز إبرة حاد يغرس في قلبي، وحرارة حارقة تسري في جسدي.انطلقت ضحكة خافتة من السقف المظلم فوقي، حفيف أجساد تحبو على الجدران. رفعت رأسي لأرى ظلالًا بلا وجوه تتدلى من الأسقف كالعناكب البشرية، هابطة نحو النول، وأصابعها الطويلة النحيلة تشير إليّ وهامسة بنبرة واحدة:

«الخيط الأخير يكتمل.. والغزل يطلب روحك.»صرخت بأعلى صوتي وحاولت التملص بكامل قوتي حتى تمزق جلد كفي. قفزت للنعاة وركضت نحو الباب، والأصوات تتعالى خلفي وصوت النول يتسارع كضربات قلب مجنون. نجحت في الخروج إلى الهواء الطلق وسقطت على الأرض ألهث، والظلام يبتلع المنسجة خلفي.عدت إلى بيتي وأنا أرتجف، ظانًا أن الكابوس قد انتهى. لكن عندما وقفت أمام مرآة الغرفة لتفقد جروحي، انخلع قلبي من الهول؛ لم تكن هناك ندوب على كفي، بل كان جلدي مطرزًا بخيوط حمراء داكنة تشكل كلمة واحدة: «سنكمل الغزل غدًا».

لم أنم ليلتها. قضيت الساعات المتبقية حتى الشروق أتأمل تلك الخيوط الحمراء التي امتدت تحت جلدي كأنها شرايين إضافية. كانت تنبض بألم خفيف، وتتحرك ببطء شديد تحت الجلد كلما تحركت أصابعي.

مع بزوغ الفجر، هرعت إلى منزل الشيخ عبد الجواد، كبر القرية وأحد المعمرين الذين يعرفون تاريخ الوادي. عندما أريته يدي، شحب وجهه واختفت الحمرة من وجنتيه. أغلقت زوايا عينيه بالخوف، ورمقني بنظرة شفقة وهو يهمس: “المكان لا يترك خيطاً بدأه.. هذه ليست مجرد كلمة، بل وسام ملكية.”أخبرني أن المنسجة كانت تديرها امرأة عُرفت بـ "الغزالة" في أواخر القرن الماضي، وكانت تلجأ للرعب والسحر لنسج أكفان الموتى قبل رحيلهم. وعندما أحرق الأهالي المنسجة فوق رأسها، أقسمت أن تعود لغزل أكفان كل من يطأ أرضها من الخيوط التي تقطفها من لحمهم.الخيار الوحيد المتبقي لي كان قطع الخيط قبل أن ينتشر إلى باقي جسدي.

عدت إلى البيت، وجلبت شفرة حادة، وأشعلت نارا صغيراً لتعقيمها. كانت يدي ترتجف، والأصوات في رأسي تزداد حدة وصراخاً. مع أول قطرة دم سالت من جرحي، بدأت الخيوط تغوص أعمق في لحمي، وتتحرك نحو معصمي كأفاعٍ صغيرة تهرب من الخطر.وفجأة، انطفأت أضواء الغرفة كلها.ساد الصمت التام، ثم سمعت صرير النول يتردد مجدداً، ولكن هذه المرة ليس من الوادي المظلم.. بل من داخل الخزانة الخشبية في غرفة نومي.

تفتّح باب الخزانة ببطء، وتدلت منها أطراف خيوط حمراء داكنة تتصل مباشرة بمعصمي. وراء الخيوط، برز وجه امرأة هيكلي محترق، بلا جفون، وابتسامة عريضة مشوهة تكشف عن أسنان من العظم الصافي.مدت يدها النحيلة من بين الملابس المعلقة، وأمسكت الخيط المتصل بيدي، ثم جذبتني ببطء وقوة لا تُقاوم نحو الداخل، وهي تهمس بصوت حاد يمزق الطبلة:

«حان وقت الغزل.. الكفن جاهز يا بني.»

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Wael تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

3

متابعهم

4

مقالات مشابة
-