ظلال خلف الخزانة

ظلال خلف الخزانة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about ظلال خلف الخزانة

صورة عند الثالثة صباحاً

تحت أضواء الشارع الخافتة، كان المطر يطرق زجاج النافذة برتابة خناجر صغيرة. ألقيت نظرة على الساعة الجدارية القديمة؛ كانت تشير إلى الثالثة صباحاً. في هذا الوقت تحديداً، تبدو كل الأصوات في المنزل محملة بتهديد خفي. لم أكن أؤمن بالقصص الخيالية أو أرواح الرعب التي تتداولها المنتديات المظلمة، حتى تلقت شاشتي ذلك الإشعار.

كانت رسالة غريبة من رقم غير معروف تحتوي على صورة سينمائية لغرفة نوم. لم تتطلب مني سوى ثوانٍ قليلة لأدرك البشاعة: كانت الصورة لغرفتي أنا، ومتقطعة للتو من الزاوية المظلمة التي تقبع خلف خزانة الملابس. جمدت الدماء في عروقي. خفق قلبي بسرعة جنونية تتحدّى الصمت المرعب حولى. حاولت أن أقنع نفسي بوجود خطأ ما، أو أنها مجرد خدعة بصرية صممها أحد الأصدقاء، لكن تلك الرسالة التالية حسمت الأمر: “أنت تتنفس بسرعة أكبر الآن.”صوت خطوات ثقيلة، بطيئة ومبللة، بدأ يتردد خلف الجدار خشبي السُمك. لم تكن الخطوات تسير على الأرض، بل كانت تطرق بعنف مكتوم من داخل الخزانة نفسها. تيبّس جسدي في مكانه، وشعرت برعشة تحرق أطرافي. تسللت ببطء نحو طاولة الزينة لأمسك بأي شيء دفاعي، بينما ارتفعت درجة حرارة الغرفة فجأة وانقطعت الكهرباء لتغرق المساحة في ظلام دامس، باستثناء ضوء الهاتف التافه في يدي.

فجأة، انفتح باب الخزانة ببطء أليم، مترافقاً مع صرير يُمزق الألواح. خرجت من العتمة يد هزلية ذات أصابع طويلة بشكل غير طبيعي، شاحبة كالجثث، وتتبعها رائحة كبريت وعفن تقلب المعدة. لم أتمكن من الصراخ؛ كان صوتي محتبساً في حنجرتي كالماء المغلي. برز وجه لا ملامح له سوى ابتسامة عريضة تمتد من الأذن إلى الأذن، مليئة بأسنان مدببة تعكس ضوء الشاشة الضعيف.اقترب الكائن ببطء، ولم يكن يمشِ بل كان يترنح بغرابة وكأن عظام مفصله مكسورة بالكامل. أغمضت عيني بشدة متوسلاً أن يكون هذا كابوساً سأستيقظ منه قريباً. أصبحت أنفاسه الدافئة الكريهة تلفح عنقي، ثم همس بصوت شبيه بحفيف الأوراق الميتة في أذني مباشرة: “لقد انتظرتك حتى تلتفت.”فتحت عيني بسرعة لـ أجد الشاشة أضاءت مجدداً، لكن الكائن لم يكن أمامي... كان انعكاسه يبتسم لي من داخل زجاج شاشة الهاتف فقط.

ارتجفت يدي وسقط الهاتف على الأرض ليواجه السقف، ملقياً شعاعاً ضوئياً شاحباً نحو الزاوية العلوبة من الغرفة. رفعت رأسي ببطء قاتل، وهناك، ملتصقاً بالسقف كعنكبوت ضخم ومسخ، كان الكائن يتربص بي. كانت حدقتاه المظلمتان تتسعان وتضيقان مع كل شهيق، وأصابعه الطويلة تتغلغل داخل طلاء الجدار لتثبيت جسده الملتوي.لم يعد هناك مجال للهرب؛ فالباب المغلق يبعد خطوات قليلة، لكن الفضاء بيننا كان محكوماً بنظراته المسمومة. فجأة، هبط من السقف بلا أي صوت، ليقف على بعد إنشات قليلة مني. انخفضت درجة حرارة الهواء حتى بدأت أنفاسي تخرج على شكل بخار أبيض. رفعت يده الشاحبة وشقّ بها الهواء ببطء نحو وجهي، مسحاً بأطراف أظافره الحادة على خدّي، تاركاً خطاً بارداً كالثلج ودمماً ينزف بهدوء.

"لا يمكنك إغلاق عينيك الآن، لقد أصبحت جزءاً من الصورة،" همس الكائن وهو يتراجع خطوة إلى الخلف.

في تلك اللحظة، أضاءت شاشة الهاتف الملقى على الأرض مرة أخرى. صدر صوت نغمة إشعار قصيرة اخترقت السكون الفظيع. انحنيت بعينين لا تفارقان الكائن وأمسكت بالهاتف. كانت هناك رسالة جديدة وصلت للتو من نفس الرقم المجهول. فتحتها بأصابع ترتعش، لتكون المفاجأة التي جعلت عقلي يتوقف عن التفكير بالكامل:الصورة الجديدة لم تكن لغرفتي... بل كانت صورة مكبرة لوجهي أنا، أقف فيها مذعوراً والدم يسيل على خدّي، ومن خلفي في الظلام التام تقبع هيئة أخرى، أضخم وأكثر بشاعة، تضع يدها على كتفي.التفتّ برعب خالص لأكتشف أن الكائن الذي أمامي لم يكن سوى الضحية السابقة... وأن الخطر الحقيقي كان يقف بالكامل خلفي طوال هذا الوقت.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Wael تقييم 5 من 5.
المقالات

9

متابعهم

3

متابعهم

4

مقالات مشابة
-