الدمية التي تتغير أماكنها

في قرية صغيرة وهادئة، كان هناك منزل قديم يقع في نهاية شارع طويل تحيط به الأشجار من كل جانب. كان المنزل جميلًا من الخارج، لكنه كان يحتوي على غرفة قديمة في الطابق العلوي لا يدخلها أحد تقريبًا، لأن والد ليان كان يقول دائمًا إن الغرفة مليئة بأشياء قديمة لا فائدة منها.
كانت تعيش في المنزل طفلة صغيرة اسمها ليان مع والدها ووالدتها. كانت ليان تحب الألعاب والقصص، وكانت تقضي ساعات طويلة في غرفتها تلعب بدمائها وعرائسها.
وفي أحد الأيام، ذهبت ليان إلى منزل جدتها. وبينما كانت تلعب في غرفة التخزين، وجدت صندوقًا خشبيًا قديمًا مغطى بالغبار.
فتحته بفضول، فوجدت بداخله ملابس قديمة وصورًا وكتبًا، وفي أسفل الصندوق كانت هناك دمية غريبة.
كانت الدمية ترتدي فستانًا أبيض طويلًا، وشعرها أسود ناعم يصل إلى كتفيها، وعيناها زرقاوان لامعتان بشكل غريب.
حملتها ليان وقالت بسعادة:
“واو! دي أجمل دمية شفتها في حياتي.”
سألت جدتها: “ممكن آخدها يا تيتة؟”
تغير وجه الجدة للحظة، ثم قالت: “خديها يا حبيبتي، بس خلي بالك منها.”
استغربت ليان وسألت: “ليه؟”
ابتسمت الجدة وقالت: “دي لعبة قديمة جدًا.”
لم تفهم ليان سبب قلق جدتها، لكنها أخذت الدمية معها إلى المنزل، وأطلقت عليها اسم لولو.
في تلك الليلة، وضعت ليان الدمية بجانب وسادتها، ثم نامت.
وفي الصباح، استيقظت وهي تشعر بالبرد.
نظرت حولها، ثم تجمدت في مكانها.
كانت لولو جالسة على الكرسي الموجود في آخر الغرفة.
حدقت ليان فيها بدهشة.
قالت: “غريبة... أنا حطيتك جنب المخدة.”ظنت أن والدتها دخلت الغرفة وحركتها، فأخذتها وأعادتها إلى السرير.
وفي الليلة التالية، نامت ليان والدمية بجانبها.
لكن عندما استيقظت في الصباح، وجدتها فوق المكتب.
وفي اليوم الثالث، وجدتها أمام باب الغرفة.
بدأت ليان تشعر بالقلق.
ذهبت إلى والدتها وقالت: “ماما، إنتِ اللي بتحركي لولو كل يوم؟”
قالت الأم: “لا يا حبيبتي، أنا ما دخلتش أوضتك أصلًا.”
قالت ليان: “بس أنا متأكدة إني بسيبها جنب السرير.”
ضحكت الأم وقالت: “يمكن بتحركيها وإنتِ نايمة.”
لكن ليان لم تقتنع.
في تلك الليلة، قررت أن تتأكد.
وضعت لولو فوق السرير، ثم وضعت بجانبها لعبتها الصغيرة، وأغلقت باب الغرفة.
قبل أن تنام، قالت: “لو اتحركتي تاني، أنا هعرف.”
وفي الصباح، فتحت عينيها ببطء.
كانت اللعبة الصغيرة لا تزال بجانب وسادتها.
لكن لولو اختفت.
بحثت ليان تحت السرير، وفي الخزانة، وفوق المكتب.
ثم فتحت باب غرفتها.
شهقت عندما رأتها.
كانت لولو جالسة في منتصف الممر، ووجهها متجهًا نحو غرفة ليان.
صرخت ليان وركضت إلى والدتها.
هذه المرة لم تضحك الأم.
أخذت الدمية ووضعتها داخل صندوق خشبي، وأغلقت الصندوق بإحكام.
ثم وضعته في غرفة التخزين.
قالت الأم: “خلاص، الدمية دي مش هتفضل في أوضتك.”
شعرت ليان بالراحة.
لكن في منتصف الليل، استيقظت على صوت غريب.
تك... تك... تك…
فتحت عينيها.
كان الصوت يأتي من باب غرفتها.
ثم سمعت صوتًا خافتًا جدًا:
“ليان...”
جلست في سريرها وهي ترتجف.
قالت: “مين؟”
لم يجب أحد.
ثم جاء الصوت مرة أخرى:
“ليان...”
اختبأت تحت البطانية، ولم تخرج منها حتى طلعت الشمس.
في الصباح، ذهبت مع والدتها إلى غرفة التخزين.
فتحَت الأم الباب.
كان الصندوق لا يزال في مكانه.
لكن الغطاء كان مفتوحًا.
والدمية اختفت.
قالت الأم بخوف: “إزاي؟”
بحثتا في الغرفة كلها، لكنهما لم تجدا لولو.
وفجأة، سمعت ليان صوتًا خلفها.
تك... تك... تك…
التفتت ببطء.
كانت لولو جالسة على رف مرتفع، تنظر إليها بعينيها الزرقاوين.
صرخت ليان.
أمسكت الأم يد ابنتها وأخرجتها بسرعة من الغرفة.
في المساء، اتصلت الأم بالجدة وحكت لها ما حدث.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت الجدة بصوت منخفض:
“أنا كنت خايفة اليوم اللي ليان تاخد الدمية.”
سألتها الأم: “إنتِ عارفة عنها حاجة؟”
قالت الجدة: “الدمية دي كانت بتاعة بنت صغيرة اسمها سارة... كانت عايشة في البيت ده من سنين طويلة.”
سألت ليان: “وإيه اللي حصل لها؟”
تنهدت الجدة وقالت:
“سارة اختفت في ليلة من الليالي، وكان عمرها تقريبًا في سنك. أهلها بحثوا عنها في كل مكان، لكنهم لم يجدوها.”
شعرت ليان بالخوف.
وأضافت الجدة:
“وقبل اختفائها بأيام، كانت تقول إن الدمية بتتحرك لوحدها، وإنها أحيانًا بتسمع صوتًا ينادي اسمها.”
نظرت ليان إلى والدتها.
قالت: “يعني لولو كانت مع سارة؟”
قالت الجدة: “أيوه.”
ثم سألت الأم: “وليه احتفظتي بيها؟”
قالت الجدة: “كنت فاكرة إن اللي حصل مجرد صدفة... لكن بعد اللي قلتيه، لازم الدمية تخرج من البيت.”
في اليوم التالي، قررت العائلة التخلص من الدمية.
وضع والد ليان الدمية داخل صندوق، وأخذه إلى مكان بعيد عن المنزل.
بعد ساعات عاد إلى البيت وقال:
“خلاص، الموضوع انتهى.”
في تلك الليلة، نامت ليان للمرة الأولى دون خوف.
لكن في منتصف الليل، استيقظت على صوت خطوات في الممر.
خطوة... خطوة... خطوة…
فتحت باب غرفتها قليلًا.
لم تجد أحدًا.
ثم نظرت إلى الأرض.
كان هناك شيء أبيض صغير ملقى أمام الباب.
انحنت والتقطته.
كان شريطًا أبيض كانت الدمية ترتديه في شعرها.
شعرت ليان بالرعب.
ركضت إلى غرفة والديها وأيقظتهما.
ذهب الأب ليتأكد من البيت كله.
وعندما عاد، قال:
“مفيش حاجة.”
لكن ليان أشارت إلى الممر.
كانت الدمية واقفة في آخره.
لم يتحرك أحد.
كانت لولو واقفة وحدها، ووجهها متجهًا نحوهم.
ثم سقطت فجأة على الأرض.
اقترب الأب بحذر وحملها.
وفي تلك اللحظة، سمع الجميع صوتًا خافتًا يأتي من داخل الدمية:
“ساعدوني...”
تجمدت الأم في مكانها.
أما ليان، فبدأت تبكي.
قالت: “دي مش بتخوفنا... يمكن هي عايزة تقولنا حاجة.”
قرر والد ليان أن يأخذ الدمية إلى منزل الجدة في الصباح.
لكن قبل أن يخرجوا، تذكرت ليان شيئًا.
قالت: “بابا، في صور قديمة عند تيتة... يمكن نعرف منها حاجة عن سارة.”
ذهبوا إلى منزل الجدة وبدأوا يبحثون في الصندوق القديم.
وبعد وقت طويل، وجدوا صورة قديمة لطفلة صغيرة تحمل نفس الدمية.
كانت سارة.
وبجانب الصورة كانت هناك ورقة صغيرة مكتوب عليها:
“لولو تعرف أين اختبأت سارة.”
نظر الجميع إلى بعضهم بدهشة.
بدأوا يبحثون في المنزل القديم عن أي مكان يمكن أن تكون سارة قد اختبأت فيه.
وبعد ساعات، وجد والد ليان بابًا صغيرًا خلف خزانة قديمة في الطابق العلوي.
فتح الباب.
كان خلفه مكان ضيق مليء بالغبار.
وفي الزاوية كانت هناك علبة معدنية صغيرة.
فتحتها الجدة، فوجدت بداخلها صورًا ورسائل قديمة لسارة.
وفي آخر رسالة كتبت سارة:
“أنا مش خايفة... أنا بس مستخبية هنا عشان محدش يلاقيني.”
فهموا أن سارة كانت قد اختبأت في المكان أثناء لعبة مع إخوتها، لكن الباب أغلق عليها، ولم يسمع أحد صوتها.
كانت الدمية تتحرك طوال هذه السنوات لأنها كانت تقودهم إلى المكان الذي اختفت فيه سارة.
لم تكن تريد إيذاء ليان.
كانت تريد فقط أن يعرف أحد قصتها.
بعد أن عرفوا الحقيقة، تم العثور على آثار المكان القديم، وأخبرت الجدة العائلة بكل ما تعرفه عن سارة.
أما الدمية، فقد عادت هادئة تمامًا.
وضعتها ليان في صندوق زجاجي صغير، وكتبت بجانبها:
“لولو... الدمية التي كانت تبحث عن صاحبتها.”
مرت السنوات.
كبرت ليان، وأصبحت تحب مساعدة الأطفال الذين يشعرون بالخوف أو الوحدة.
لكنها لم تنسَ لولو أبدًا.
وفي يوم من الأيام، عادت ليان إلى منزل جدتها بعد سنوات طويلة.
دخلت الغرفة القديمة، ووجدت صندوق الدمية كما تركته.
اقتربت منه وابتسمت.
قالت:
“أنا لسه فاكرِك يا لولو.”
ثم استدارت لتغادر.
وقبل أن تغلق الباب، سمعت صوتًا خفيفًا خلفها:
تك... تك... تك…
التفتت.
كانت الدمية ما زالت داخل الصندوق.
لكن رأسها كان قد تغير اتجاهه قليلًا.
نظرت ليان إليها لثوانٍ، ثم ابتسمت وقالت:
“متقلقيش... أنا مش هنسى سارة.”
وأغلقت الباب.
ومنذ ذلك اليوم، لم تتحرك الدمية مرة أخرى.
لكن أهل القرية ظلوا يقولون إن من يمر أمام المنزل في منتصف الليل، قد يسمع أحيانًا صوت طفلة صغيرة تضحك من داخل الغرفة القديمة…
ثم صوتًا آخر يهمس:
“شكرًا...”
please login to be able to comment