عقد الياقوت الذي يكشف النفوس الفصل الثاني
عقد الياقوت الذي يكشف النفوس
الفصل الثاني: الوجوه المشوهة خلف قناع النفاق

مرت الأسابيع.
وتحولت حياة ندى إلى شيء يشبه السجن.
لم تعد المشكلة في العقد وحده.
المشكلة أنها أصبحت ترى العالم بطريقة مختلفة.
كانت تعرف الآن أن الإنسان يستطيع أن يبتسم وهو يتمنى سقوطك.
أن يقول "مبروك" بينما يشعر بالغيرة.
أن يحتضنك وهو يكرهك.
العقد لم يكن يخدعها.
كان يكشف ما تخفيه النفوس.
وكانت الحقيقة أقبح مما توقعت.
ذات مساء، جلست ندى مع طارق في غرفة المعيشة.
قالت:
“طارق.”
“نعم؟”
“إنت عمرك حسيت إن الناس مش زي ما بيبانوا؟”
نظر إليها.
ابتسم.
“كل الناس عندها أسرار.”
“بس أنا بقيت أشوفها.”
توقف للحظة.
ثم قال:
“تشوفي إيه؟”
ترددت.
“وشوشهم.”
ظل ينظر إليها.
ثم قال:
“لسه شايفة المسوخ؟”
تجمدت.
“إنت عرفت منين إني بسميهم مسوخ؟”
ابتسم بهدوء.
“إنتِ قلتيلي قبل كده.”
لم تتذكر أنها قالت له ذلك.
لكنها لم تفكر كثيرًا.
اقترب منها.
“أنا مصدقك.”
كانت هذه الجملة أكثر شيء احتاجت إلى سماعه.
أمسكت يده.
“إنت الوحيد اللي مش بيظهر لك حاجة.”
ابتسم.
“لأني بحبك.”
خفضت ندى عينيها.
لم تعرف أن تلك الكلمات كانت أخطر كذبة سمعتها في حياتها.
في اليوم التالي، عادت رنا.
لكن هذه المرة لم تدخل القصر.
وقفت عند البوابة.
قالت للحارس إنها تريد رؤية ندى.
خرجت ندى إليها.
ابتسمت رنا.
“وحشتيني.”
نظرت ندى إلى وجهها.
لم يحدث شيء.
ثم قالت رنا:
“أنا عايزة أعتذر.”
“عن إيه؟”
“عن اليوم اللي خوفتيني فيه.”
سكتت ندى.
ثم قالت:
“أنا كنت تعبانة.”
اقتربت رنا.
“يمكن.”
ثم نظرت إلى العقد.
ابتسمت.
وفجأة…
اشتعل الياقوت.
تحول وجه رنا إلى المسخ من جديد.
لكن هذه المرة لم تتكلم.
فقط نظرت إلى ندى.
كانت عيناها تقولان شيئًا أكثر رعبًا من الكلمات.
كانت تريد شيئًا.
شيئًا يتعلق بالعقد.
انتبهت ندى.
“إنتِ عايزة العقد؟”
عاد وجه رنا طبيعيًا.
تراجعت.
“إيه؟”
“إنتِ كنتِ بتبصي عليه.”
“لا.”
لكنها غادرت بسرعة.
دخلت ندى إلى القصر.
وبدأت تبحث.
عن العقد.
عن جدة طارق.
عن أي شيء يمكن أن يفسر ما يحدث.
وفي مكتبة القصر، وجدت صندوقًا قديمًا.
كان مقفلًا.
استعانت بمفتاح وجدته في درج مكتب طارق.
فتحت الصندوق.
وجدت صورًا قديمة.
صورة لامرأة ترتدي العقد.
تحتها اسم:
نوال.
جدة طارق.
ثم صورة أخرى.
امرأة أصغر سنًا.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
كل واحدة ترتدي العقد.
لكن على ظهر بعض الصور كانت توجد ملاحظات.
“بدأت ترى الوجوه.”
“رفضت خلع العقد.”
“اتهمت الجميع بالخيانة.”
ثم وجدت ورقة قديمة.
كان مكتوبًا عليها:
“العقد لا يكشف ما يقوله الإنسان، بل ما يضمره عندما ينظر إلى صاحبه.”
توقفت ندى.
قرأت الجملة مرة أخرى.
إذن الأمر حقيقي.
العقد يكشف النية.
لكن لماذا أعطاه لها طارق؟
قلبت الورقة.
وجدت سطرًا آخر:
“لا يجوز أن يلمس العقد جلد رجل من نسل العائلة.”
ارتجفت.
لماذا؟
ولماذا كانت هذه المعلومة مخفية؟
سمعت صوتًا خلفها.
“بتدوري على إيه؟”
التفتت.
طارق.
كان يقف عند الباب.
ابتسم.
لكن ندى لم تستطع الرد.
قال:
“لقيتي الصندوق؟”
“أيوه.”
دخل.
أخذ الورقة من يدها.
مزقها.
قال:
“دي حاجات قديمة ملهاش قيمة.”
“ليه مخبيها؟”
“لأنها مجرد خرافات.”
“والعقد؟”
سكت.
“ليه العقد مش بيفارقني؟”
نظر إليها.
ثم قال:
“يمكن لأنه اختارك.”
شعرت بقشعريرة.
“اختارني ليه؟”
اقترب منها.
“متفكريش كتير.”
لكنها بدأت تفكر.
وفي تلك الليلة، لاحظت شيئًا.
طارق لم ينم.
كان واقفًا أمام المرآة.
يرتب وجهه.
ظنت أنه يضع كريمًا.
لكنها لم تستطع رؤية التفاصيل من مكانها.
عاد إلى السرير قبل أن تقترب.
في اليوم التالي، حاولت أن تسأله.
“إنت بتستخدم مستحضرات معينة على وشك؟”
توقف.
ثم ابتسم.
“ليه؟”
“بحس إن بشرتك دايمًا مثالية.”
ضحك.
“دي حاجة اسمها مكياج.”
“مكياج؟”
“أيوه. شغلي خلاني أهتم بمظهري.”
اقترب منها.
“إنتِ مش عاجبك؟”
“لا.”
ثم ابتسمت.
لكن داخلها بدأ سؤال صغير يكبر.
لماذا يحتاج رجل مثل طارق إلى مكياج بهذه الدقة؟
ومع مرور الأيام، بدأت تلاحظ تفاصيل أخرى.
كان لا يتركها تقترب من مكتبه.
لا يسمح لها بدخول غرفة معينة في نهاية الممر.
وكان يغلقها دائمًا.
وفي إحدى الليالي، سمعت صوت شيء يسقط من داخل الغرفة.
ذهبت إلى الباب.
وضعت يدها على المقبض.
مغلق.
ثم سمعت صوت طارق من الداخل.
كان يتحدث مع شخص.
“بكرة كل حاجة هتخلص.”
تجمدت.
تراجعت بسرعة.
وعندما عاد طارق إلى الغرفة، تصرفت وكأنها لم تسمع شيئًا.
لكنها قررت أن تراقبه.
وفي إحدى الأمسيات، كان يستعد للخروج.
قال:
“عندي اجتماع مهم.”
“هترجع إمتى؟”
“متأخر.”
قبلها على جبينها.
ثم خرج.
انتظرت عشر دقائق.
ثم بدأت تبحث عن هاتفه.
لم تجده.
فتشت المكتب.
لا شيء.
ثم تذكرت الغرفة المغلقة.
لكنها لم تجد المفتاح.
وعندما كانت تعود إلى غرفة النوم، رأت شيئًا على الأرض.
قطعة صغيرة شفافة.
التقطتها.
كانت تشبه جلدًا صناعيًا.
شعرت بقشعريرة.
وضعتها في جيبها.
في تلك اللحظة، سمعت صوت سيارة تغادر.
لكنها لم تكن سيارة طارق.
ثم نظرت من النافذة.
سيارة طارق كانت ما تزال في الجراج.
لم يخرج بها.
إذن…
إلى أين ذهب؟
وبينما كانت تحدق في الجراج، وصلتها رسالة على هاتفها من رقم مجهول:
“لو عايزة تعرفي حقيقة زوجك، متصدقيش الوجه اللي شايفاه.”
سقط الهاتف من يدها.
نظرت إلى المرآة.
ثم إلى وجهها.
ثم إلى العقد.
لأول مرة منذ ارتدائه، شعرت أن الخطر لم يعد حولها.
بل داخل بيتها.
وفي تلك اللحظة…
سمعت صوت المفتاح في الباب.
عاد طارق.
وكان يبتسم.
لكن هذه المرة، شعرت ندى أن ابتسامته مختلفة.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق