عقد الياقوت الذي يكشف النفوس الفصل الثالث
عقد الياقوت الذي يكشف النفوس
الفصل الثالث: سقوط القناع

في الأيام التالية، لم تخبر ندى طارق عن الرسالة.
تصرفت بشكل طبيعي.
كانت تبتسم له.
تتناول العشاء معه.
وتجلس بجواره كما كانت تفعل دائمًا.
لكنها بدأت تراقبه.
راقبت عاداته.
خروجه.
دخوله.
الغرفة المغلقة.
وكلما نظرت إلى وجهه، كان العقد صامتًا.
لا نار.
لا ألم.
لا مسخ.
لا شيء.
وهذا جعلها أكثر خوفًا.
لأنها بدأت تفهم أن عدم كشف العقد لحقيقته لم يكن دليلًا على براءته.
كان هناك سبب.
وفي ليلة عاصفة، حدث ما كانت تنتظره.
كان طارق يستعد للخروج.
قال:
“عندي اجتماع ضروري.”
نظرت إلى الساعة.
“دلوقتي؟”
“ضروري.”
ارتدى معطفه.
وقبل أن يخرج، وضع يده على كتفها.
“نامي.”
ابتسمت.
“حاضر.”
خرج.
انتظرت.
ثم نظرت من النافذة.
سيارته لم تتحرك.
مرت عشر دقائق.
ثم عشرون.
لم يخرج.
بدأ الشك يتحول إلى يقين.
خرجت من الغرفة.
تذكرت الغرفة المغلقة.
ذهبت إليها.
وجدت الباب هذه المرة مفتوحًا.
دخلت.
كانت الغرفة مظلمة.
وفي منتصفها مكتب كبير.
وعلى المكتب هاتف.
هاتف طارق.
كانت الشاشة مضاءة.
ظهرت رسالة جديدة.
اقتربت ندى.
قرأت:
“كل شيء جاهز. الأوراق أصبحت باسم ندى كما اتفقنا. بمجرد توقيعها على التنازل، يمكننا نقل بقية الأموال بعيدًا عن الدائنين.”
شعرت ببرودة في جسدها.
تابعت القراءة.
“أما موضوع المصحة، فسيتم بعد التوقيع مباشرة. شهادات الطبيب جاهزة، والجميع سيصدق أنها فقدت عقلها بسبب الضغط النفسي.”
توقفت أنفاسها.
جلست على الكرسي.
الشخص الذي أحبته…
كان يخطط لتدمير حياتها.
استخدمها.
أدخلها عالمه.
أعطاها العقد.
ثم انتظر اللحظة المناسبة.
فجأة، وصلتها رسالة أخرى.
“لا تقلق. القناع لن يجعلها تشك. طالما أنها ترى وجهك الجميل، ستصدقك.”
رفعت ندى رأسها.
القناع.
نظرت إلى الهاتف.
ثم إلى الباب.
فهمت.
المكياج.
المظهر المثالي.
الوجه الذي لم يتغير أمام العقد.
كل شيء أصبح واضحًا.
لم يكن طارق يخفي شره فقط.
كان يخفي وجهه.
سمعت صوتًا.
خطوات في الممر.
أغلقت الهاتف بسرعة.
واختبأت خلف الستارة.
دخل طارق.
كان وحده.
أغلق الباب.
ثم وقف أمام المرآة.
خلع معطفه.
نظر إلى انعكاسه.
وبدأ يزيل شيئًا عن وجهه.
لم تستطع ندى أن تصدق ما تراه.
كان يمسك بأداة صغيرة.
وبدأ يفك حواف طبقة صناعية دقيقة مثبتة فوق وجهه.
لم يكن مكياجًا عاديًا.
كان قناعًا احترافيًا كاملًا.
طبقة مصممة بعناية، تغطي ملامحه الحقيقية وتمنحه وجهًا مختلفًا تمامًا.
سحب الجزء الأول.
ظهر جزء من جلد مختلف تحته.
ثم الجزء الثاني.
وببطء…
اختفى الوجه الوسيم الذي عرفته ندى.
ظهر وجه آخر.
وجه مشوه.
آثار حروق وندوب تغطي جانبًا كبيرًا منه.
ملامح غير متناسقة.
عين مختلفة عن الأخرى.
لكن أكثر ما أرعبها…
لم يكن شكله.
بل ابتسامته.
كان يبتسم لنفسه في المرآة.
وكأنه سعيد بما يفعله.
همست ندى:
“طارق...”
توقف.
رفع رأسه.
ورأى انعكاسها في المرآة.
ساد الصمت.
ثم التفت إليها.
لم يعد هناك وجه وسيم.
لم يعد هناك الرجل الذي أحبته.
كان أمامها شخص آخر تمامًا.
قال:
“إنتِ شفتي.”
تراجعت.
ووضعت يدها على العقد.
اشتعل الياقوت.
هذه المرة اشتعل بقوة لم تشعر بها من قبل.
نظرت إلى طارق.
وفي اللحظة نفسها…
ظهر وجهه الحقيقي في عينيها بصورة أكثر وضوحًا.
لم يكن المسخ الذي رأته في الآخرين.
كان وجهه البشري المشوه، لكن حوله ظهر شيء آخر.
ظلام كثيف.
كأن العقد لم يعد يكشف شكله فقط.
بل كشف ما في داخله.
رأت الطمع.
الخداع.
الجشع.
الاستغلال.
والبرود الذي أخفاه عنها طوال زواجهما.
صرخت:
“كنت بتضحك عليا!”
قال بهدوء:
“كنتِ هتكوني مشكلة لو عرفتي.”
“كنت عايز تدخلني مصحة؟”
اقترب.
“بعد ما توقعي.”
“والعقد؟”
ابتسم.
“كنت عارف إنه هيكشف الناس.”
“وعرفت إنه مش هيكشفك.”
رفع القناع عن الطاولة.
“لأن العقد بيكشف الجلد الحقيقي.”
وأشار إلى وجهه.
“وأنا طول الوقت ما كنتش بوريهولك.”
تراجعت ندى.
قال:
“كنتِ شايفاني بالشكل اللي صنعته لك.”
نظرت إلى القناع.
ثم إليه.
قال:
“كنت محتاج زوجة الناس تثق فيها. اسمها نظيف. محدش يشك فيها.”
ثم ابتسم.
“ومين هيشك في واحدة زيك لو قلت إنها فقدت عقلها؟”
توقفت ندى.
لم تعد تشعر بالخوف.
شعرت بالغضب.
كل شيء كان كذبة.
الحب.
الزواج.
الهدايا.
حتى وجهه.
قال:
“وقعي الأوراق.”
“لا.”
“ندى.”
“مش هوقع.”
اقترب.
“مش قدامك اختيار.”
أمسكت بالأوراق.
مزقتها.
تغير وجهه.
اندفع نحوها.
تراجعت.
وقع العقد من عنقها للحظة.
لكنها أمسكت به.
اشتعل الياقوت بقوة.
صرخ طارق عندما اقترب منها.
وفي انعكاس المرآة، ظهر وجهه الحقيقي بصورة مرعبة.
لكن هذه المرة لم تكن ندى هي الوحيدة التي تراه.
كان هو أيضًا يرى نفسه.
حدق في المرآة.
تغيرت ملامحه.
“لا...”
اقترب من المرآة.
“لا، مش ممكن.”
كان العقد قد كشف له شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته.
رأى نفسه كما يراه الآخرون.
ليس وجهه المشوه فقط.
بل حقيقة ما بداخله.
رجل عاش عمره وهو يخفي نفسه خلف قناع.
ثم التفت إلى ندى.
لكنها كانت قد وصلت إلى باب الغرفة.
قال:
“استني!”
لم تتوقف.
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
اتصلت بالشرطة.
وبعد وقت قصير، انتهت اللعبة التي بدأها طارق منذ أشهر.
كُشفت الأوراق.
وكُشفت التحويلات.
وانهارت الخطة التي ظن أنها محكمة.
أما القصر…
فلم تعد ندى تسكنه.
لكنها احتفظت بالعقد.
لم تستطع التخلص منه.
كلما حاولت نزعه، عاد إلى عنقها.
وفي إحدى الليالي، وقفت أمام المرآة.
لم يكن هناك أحد.
نظرت إلى وجهها.
ثم إلى الياقوت.
كان ساكنًا.
هادئًا.
للمرة الأولى منذ أسابيع.
ابتسمت ندى.
وقالت:
“خلصت.”
لكن العقد لم يلمع.
بل اهتز.
مرة واحدة.
ثم سمعت صوتًا خلفها.
صوتًا تعرفه جيدًا.
صوت رنا.
“ندى...”
التفتت.
لم يكن هناك أحد.
عادت إلى المرآة.
لكنها هذه المرة رأت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
كان هناك انعكاس امرأة تقف خلفها.
امرأة ترتدي العقد نفسه.
ابتسمت لها.
ثم قالت:
“طارق لم يكن أول واحد يخفي وجهه.”
توقفت ندى عن التنفس.
“ولا هيكون الأخير.”
انطفأ الضوء.
وبقي الياقوت الأحمر وحده مضيئًا.
كقطرة دم معلقة في الظلام.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق