الساكن الآخر في الجدار
الساكن الآخر في الجدار:ـ

دعنا نتفق أولاً على حقيقة طبية بسيطة: الأذن البشرية عضو أحمق إلى حدٍ ما. تلتقط أي اهتزاز في الهواء وتتركه لمخك ليفسره، ومخك بدوره وغد جبان يحب تهويل الأمور، خاصة إذا كنت تجلس وحدك في الثالثة فجراً، والشاي قد برد، والسيجارة أوشكت على حرق أطراف أصابعك.
كان ذلك شتاء عام 1997 في المنصورة. شقتي القديمة في شارع البحر كانت نموذجاً حياً للهندسة المعمارية الكئيبة في الستينيات؛ جدران متهالكة تفوح منها رطوبة شتوية خانقة، وصوت مواسير الصرف الذي يجعلك تظن أن هناك حيواناً خرافياً يحتضر بداخلها. في تلك الليلة، سمعت الصوت لأول مرة.
لم يكن عواء ذئب، فالذئاب لا تسكن الدلتا، ولا صريراً درامياً لأبواب لم تُزيّت منذ قرن. كان مجرد صوت "حك". مثل أظافر تقشر الطلاء القديم في زاوية الغرفة خلف دولاب الملابس الضخم.
ضحكت بسخرية، وأشعلت سيجارة أخرى. قلت لنفسي بصوت عالٍ لأطرد الرجفة التي تسللت لفقراتي العنقية: "فأر... فأر ريفي وقح ضل طريقه إلى الطابق الرابع". لكن الفئران—بحكم خبرتي البيولوجية المحدودة—تتحرك بسرعة وتصدر قعقعة مميزة، بينما هذا الصوت كان رتيباً، متصاعداً، وكأنه نبض كائن يتنفس ببطء شديد.
نهضت متثاقلاً، وأنا ألعن اليوم الذي قررت فيه السكن منفرداً. أمسكت بمسطرة حديدية ثقيلة كانت ملقاة فوق مذكرات علم الأمراض. اقتربت من الدولاب. الصوت توقف فجأة. السكون الذي يعقب صوتاً مريباً يكون دائماً أثقل من الصوت نفسه، كأن الغرفة بأكملها تحبس أنفاسها في انتظار حركة غبية منك.
انحنيت لألقي نظرة خلف ظهر الدولاب الخشبي.
في البداية لم أرَ سوى العتمة وتراكم خيوط العنكبوت والتراب. ثم لمعت نقطتان. لم تكن عيون قطة تعكس ضوء مصباح الغرفة الخافت، فالضوء لم يكن كافياً لأي انعكاس. كانت نقطتين بلون رمادي ميت، تحدقان بي مباشرة من شق ضيق في الجدار لا يتعدى عرضه بضعة سنتيمترات. شق لا يمكن حتى لقط صغير أن يدس رأسه فيه.
تراجعت خطوة إلى الوراء ببرود مصطنع. أنا رجل علم، طبيب يؤمن بأن كل شيء وراءه تفسير عصبي أو كيميائي، لكنني في تلك اللحظة نسيت أبقراط وابن سينا معاً. كان الهواء في الغرفة يزداد برودة بشكل غير منطقي، ورائحة غريبة بدأت تنتشر... رائحة طين رطب مخلوط بماء راكد كأنه قادم من قاع بئر جافة.
ثم جاء الصوت مجدداً، لكنه هذه المرة لم يكن حكاً. كان همساً أجش، كصوت احتكاك الحجارة ببعضها:
“أفسح لي... المكان يضيق عليّ بالداخل.”
لو كنت بطلاً في رواية رخيصة لكنت واجهت الكائن أو قرأت تعاويذ بصوت جهوري. لكنني كنت طبيباً مفلساً يرتدي "بيجامة" بالية وخفاً ممزقاً. فعلت ما يمليه عليّ العقل والجبن الغريزي السليم: لم أنبس ببنت شفة، أغلقت باب الغرفة بهدوء شديد ويدي ترتجف، حملت محفظتي ومفاتيحي، وخرجت إلى الشارع بملابسي المنزلية تحت المطر المنهمر، وجلست على مقهى بلدي حتى شروق الشمس.
في الصباح، عدت مصحوباً بنجار قوي البنية ومساعده لنقل الدولاب وإصلاح الشق. عندما أزحنا الدولاب الضخم، كانت الصدمة تنتظرنا.
لم يكن هناك أي شق في الجدار. الجدار كان أصم، أملس، ومطلياً باللون الأخضر الباهت كالمعتاد. نظر إليّ النجار بشك واعتبرني مجنوناً أو مخموراً، وأخذ أجرته وانصرف وهو يهز رأسه.
كدت أتنفس الصعداء وأقنع نفسي بأنها كانت هلاوس إرهاق ونقص نيكوتين حاد، لولا تفصيلة واحدة تافهة جعلت دمي يتجمد من جديد: على الحائط، عند نفس النقطة التي رأيت فيها تلك النظرة الميتة، كانت هناك خمسة خطوط حفر عميقة في الإسمنت... متقاربة تماماً كأثر أصابع يد بشرية، لكنها كانت محفورة من داخل الجدار، وتتجه إلى الخارج
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق