آخر قطار إلى المحطة المهجورة

آخر قطار إلى المحطة المهجورة
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل عندما وصل ياسين إلى محطة القطار القديمة. لم يكن في المحطة سوى عدد قليل من المصابيح الضعيفة، ومقاعد خشبية مهجورة، وساعة كبيرة توقفت عقاربها عند الثانية عشرة إلا خمس دقائق.
كان ياسين يريد العودة إلى بلدته بعد يوم طويل، لكن القطار الأخير تأخر بشكل غير معتاد.
جلس على أحد المقاعد، وأخرج هاتفه ليتأكد من موعد القطار.
لم يجد أي إشارة للشبكة.
وبعد دقائق، سمع صوت قطار يقترب.
ظهر القطار من وسط الضباب ببطء، دون أن يصدر تقريبًا أي صوت. كانت عرباته قديمة، ونوافذها مظلمة، وعلى مقدمة القطار مصباح أصفر باهت.
فتح أحد الأبواب.
دخل ياسين بسرعة.
كان داخل العربة خمسة أشخاص فقط.
رجل عجوز، امرأة تحمل حقيبة سوداء، شاب يجلس بجوار النافذة، طفلة صغيرة، ورجل يرتدي معطفًا طويلًا.
جلس ياسين بعيدًا عنهم.
لم يتحدث أحد.
تحرك القطار.
في البداية شعر ياسين بالراحة، لكن بعد حوالي عشر دقائق بدأ يلاحظ شيئًا غريبًا.
القطار كان يسير بسرعة، ومع ذلك لم يرَ أي مبانٍ أو طرق أو أضواء خارج النافذة.
فقط ظلام كامل.
اقترب من الشاب الجالس بجواره وسأله:
“إحنا فين بالضبط؟”
لم يرد الشاب.
كرر السؤال.
رفع الشاب رأسه ببطء، ونظر إليه بعينين خاليتين من التعبير.
ثم قال:
“أنت أول مرة تركب القطار ده؟”
ابتلع ياسين ريقه.
“أيوه.”
ابتسم الشاب ابتسامة صغيرة.
“يبقى لسه عندك وقت.”
وقبل أن يسأله ياسين عما يقصده، أعلن مكبر الصوت عن وصول القطار إلى المحطة التالية.
لكن الاسم الذي سمعه ياسين لم يكن مألوفًا.
“محطة النسيان.”
توقف القطار.
لم يفتح أحد الباب.
مرت عدة ثوانٍ.
ثم تحرك القطار من جديد.
سأل ياسين الرجل العجوز:
“هو القطار ده بيروح فين؟”
ظل الرجل ينظر إلى الأرض.
ثم قال بصوت منخفض:
“كل واحد فينا رايح مكان مختلف.”
“إزاي؟”
رفع الرجل عينيه وقال:
“حسب الحاجة اللي نسيها.”
شعر ياسين بقشعريرة.
ضحك معتقدًا أن الرجل يمزح، لكنه توقف عندما لاحظ أن المرأة ذات الحقيبة السوداء بدأت تبكي بصمت.
وفجأة، سمع صوت طفلة.
“ماما...”
نظر الجميع إليها.
كانت الطفلة تحدق في المقعد المقابل.
لكن المقعد كان فارغًا.
قالت مرة أخرى:
“ماما، ليه سيبتيني؟”
ثم بدأت تشير إلى النافذة.
اقترب ياسين منها ونظر إلى الخارج.
رأى شيئًا جعل قلبه يخفق بسرعة.
على الرغم من أن القطار كان يتحرك، كانت هناك امرأة تقف بجوار القضبان.
كانت ترتدي ملابس قديمة.
وكلما تحرك القطار، بقيت المرأة في نفس المكان وكأنها تتابعهم.
ثم اختفت فجأة.
أعلن مكبر الصوت:
“المحطة القادمة: البيت.”
تجمد ياسين.
كان يعرف هذا الاسم.
فهو اسم محطة قديمة أُغلقت منذ سنوات، وكانت تقع بالقرب من منزل طفولته.
اقترب من الباب.
“أنا هنزل هنا.”
أمسك الرجل صاحب المعطف بذراعه.
“ما تنزلش.”
قال ياسين:
“ليه؟”
أجابه الرجل:
“لأن اللي بينزل... مش بيرجع.”
تخلص ياسين من يده.
عندما توقف القطار، فُتح الباب.
ظهر رصيف قديم مهجور.
وفي نهايته كان هناك منزل.
منزله القديم.
المنزل الذي تركه مع عائلته عندما كان طفلًا.
لم يفهم كيف ظهر هنا.
نزل ياسين رغم تحذير الرجل.
أغلق الباب خلفه.
تحرك القطار واختفى داخل الضباب.
وقف ياسين أمام المنزل.
كان الباب مفتوحًا.
دخل.
كل شيء كان كما يتذكره، لكن الغبار يغطي الأثاث.
سمع صوتًا من الطابق العلوي.
صوت طفل يبكي.
صعد الدرج ببطء.
وعندما وصل إلى غرفته القديمة، وجد طفلًا صغيرًا يجلس على الأرض.
كان الطفل يحتضن لعبة قديمة.
نظر الطفل إليه.
كان يشبه ياسين تمامًا عندما كان صغيرًا.
قال الطفل:
“اتأخرت ليه؟”
لم يستطع ياسين الكلام.
قال الطفل:
“أنا مستنيك من زمان.”
تراجع ياسين.
ثم بدأ يسمع صوت القطار في الخارج.
ركض إلى النافذة.
كان القطار يقف أمام المنزل.
الأبواب مفتوحة.
والركاب جميعًا ينظرون إليه.
رفع الرجل العجوز يده وأشار إليه أن يعود.
لكن ياسين لم يتحرك.
نظر إلى الطفل مرة أخرى.
اختفى.
وفجأة سمع صوتًا خلفه:
“مش كل اللي بنفتكره حصل فعلًا.”
استدار.
كانت والدته تقف عند الباب.
لكنها كانت كما يتذكرها في آخر يوم رآها فيه.
نظر إليها ياسين بدهشة.
قالت:
“أنت نسيت السبب الحقيقي اللي خلاك تركب القطار.”
ثم انطفأت الأنوار.
فتح ياسين عينيه.
كان جالسًا داخل القطار.
كل الركاب في أماكنهم.
والقطار يتحرك.
نظر إلى هاتفه.
كانت الساعة 11:55 مساءً.
نفس الوقت الذي وصل فيه إلى المحطة.
ركض نحو الباب، لكنه وجد ورقة صغيرة في جيبه.
فتحها.
كان مكتوبًا عليها:
“لا تحاول النزول في المحطة الأخيرة.”
رفع رأسه.
أعلن مكبر الصوت:
“المحطة القادمة: النهاية.”
ثم انطفأت جميع الأنوار.
ومن خلفه، سمع صوت الطفل:
“المرة دي... مش هسيبك تنزل.”
ومنذ ذلك اليوم، يقول حارس المحطة القديمة إنه يسمع قطارًا يمر بعد منتصف الليل، رغم أن الخط أُغلق منذ سنوات.
والأغرب…
أنه في كل مرة يمر فيها القطار، يظهر شخص جديد خلف إحدى النوافذ.
شخص يحدق مباشرة نحو الرصيف.
وكأنه ينتظر أن يتذكر شيئًا نسيه منذ زمن.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق