لساعة الثالثة بعد منتصف الليل

لساعة الثالثة بعد منتصف الليل
هناك وقت في الليل يبدو فيه كل شيء مختلفًا. الشوارع التي كانت مليئة بالضوضاء تصبح ساكنة، البيوت تغلق أبوابها، والأنوار تختفي من النوافذ واحدة تلو الأخرى. لكن أكثر ما يخيف في الليل ليس الظلام نفسه، بل الأشياء التي قد تختبئ داخله.
كان كريم يعيش وحده في شقة قديمة في الطابق الرابع من عمارة عتيقة. لم يكن يخاف من الوحدة، بل كان يحب الهدوء، خاصة بعد يوم طويل من العمل. وفي إحدى ليالي الشتاء، عاد إلى منزله متأخرًا، أعد كوبًا من القهوة، وأطفأ معظم الأنوار، ثم جلس أمام التلفاز.
عند الساعة الثانية وثمانٍ وأربعين دقيقة، انقطع التيار الكهربائي.
توقف التلفاز، اختفت أضواء الشارع من خلف النافذة، وغرقت الشقة في الظلام.
أشعل كريم ضوء هاتفه، ثم سمع صوتًا خافتًا قادمًا من الممر.
"كريم..."
تجمد في مكانه.
كان الصوت يشبه صوت والدته.
لكن والدته توفيت منذ خمس سنوات.
حاول إقناع نفسه بأنه تخيل الصوت بسبب الإرهاق. رفع هاتفه ونظر إلى الممر. لم يكن هناك أحد. أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما مرة أخرى.
لا شيء.
بعد دقائق، عاد التيار الكهربائي.
ضحك كريم على نفسه، وأقنعها بأن ما حدث مجرد وهم. لكنه عندما دخل غرفته، وجد شيئًا جعله يتوقف تمامًا.
ساعة الحائط كانت تعمل.
مع أن الساعة كانت متوقفة منذ أشهر.
اقترب منها، فلاحظ أن عقاربها تتحرك ببطء حتى وصلت إلى الثالثة تمامًا.
ثم...
توقفت.
في اللحظة نفسها، جاء طرق على باب الشقة.
ثلاث طرق.
دق...
دق...
دق...
لم يتحرك كريم.
تكرر الطرق.
دق...
دق...
دق...
نظر إلى شاشة هاتفه.
كانت الساعة الثالثة وواحدة دقيقة.
اقترب من الباب بحذر، ونظر من العين السحرية.
الممر كان فارغًا.
تراجع خطوة.
وفجأة سمع صوت والدته مرة أخرى:
"افتح يا كريم... أنا بردانة."
ارتجفت يده.
تذكر آخر كلمات قالتها له والدته قبل وفاتها. كانت في المستشفى، وكانت تمسك يده وتقول له: "لو سمعت صوتي بعد ما أموت، ما تفتحش الباب."
كان قد نسي هذه الجملة تمامًا.
حتى تلك اللحظة.
ابتعد عن الباب واتصل بالشرطة، لكن هاتفه لم يجد شبكة. حاول فتح الإنترنت، لا شيء. حاول الاتصال بأحد جيرانه، لكن كل الأرقام بدت وكأنها اختفت من الهاتف.
ثم سمع شيئًا من خلفه.
همسًا خافتًا.
"كريم..."
استدار بسرعة.
لم يجد أحدًا.
لكن باب غرفته كان مفتوحًا.
كان متأكدًا أنه أغلقه.
دخل الغرفة ببطء، فوجد المرآة أمامه مغطاة بطبقة من الضباب، رغم أن الغرفة كانت باردة جدًا. مرر يده على سطحها، ثم رأى انعكاسه.
لكنه لم يكن وحده.
كانت هناك امرأة تقف خلفه.
شعرها طويل، ووجهها شاحب، وعيناها مثبتتان عليه.
التفت بسرعة.
لا أحد.
نظر إلى المرآة مرة أخرى.
المرأة أصبحت أقرب.
ثم رفعت يدها وأشارت إلى الساعة.
الثلاثة وعشرون ثانية.
نظر كريم إلى ساعة الحائط.
العقرب يتحرك للخلف.
ثم توقف عند الثانية والخمسين.
بدأت الأنوار في الشقة تومض.
وفي كل مرة ينطفئ فيها الضوء، كانت المرأة في المرآة تقترب أكثر.
إلى أن أصبحت خلفه مباشرة.
عندها سمع صوتًا داخل أذنه:
"أنا مش جيت علشان أخوفك..."
توقف قلبه تقريبًا.
ثم قالت:
"أنا جيت آخد مكاني."
في صباح اليوم التالي، جاء صاحب العمارة للاطمئنان على كريم بعدما لاحظ أن باب شقته كان مفتوحًا.
لم يجد أحدًا.
وجد فقط هاتف كريم على الأرض، والساعة القديمة معلقة على الحائط.
لكن الغريب كان أن عقارب الساعة لم تتوقف عند الثالثة.
بل كانت تشير إلى الرابعة.
وعندما اقترب الرجل من المرآة، رأى شيئًا غريبًا.
انعكاسه كان موجودًا...
لكن انعكاس كريم كان يقف خلفه.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ سكان العمارة يسمعون طرقًا على الأبواب في الساعة الثالثة صباحًا.
ثلاث طرق فقط.
ثم صوت رجل يقول:
"افتح..."
لكن الأكثر رعبًا أن الصوت لم يعد صوت والدة كريم.
أصبح صوت كريم نفسه.
ولهذا، إذا كنت مستيقظًا يومًا في الثالثة صباحًا، وسمعت شخصًا ينادي اسمك من خلف باب مغلق...
لا تجب.
ولا تنظر في المرآة.
فربما لا يكون الشخص الذي ينتظرك في الخارج...
بل الشخص الذي يقف خلفك.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق