أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
قصص رعب

حين أكلَ الظلامُ أسماءَنا

رعب نفسي وغموض — حكاية لا تبدأ بموت أحد، بل باكتشاف أن بعض الناس لم يولدوا أصلًا.

Kenzy shomanKenzy shomanالكاتب 6 د للقراءة 0.00 المراجعات
حين أكلَ الظلامُ أسماءَنا

حين اكل الظلام أسماءناimage about  حين أكلَ الظلامُ أسماءَنا

في قريتنا، كان هناك بيت لا تقترب منه القطط، ولا تحط فوق سطحه الطيور، ولا يمر بجواره أحد بعد غروب الشمس. لم يكن البيت مهجورًا، بل كان يسكنه رجل عجوز، رغم أن أهل القرية أقسموا أنهم رأوه يُدفن قبل أربعين عامًا.

كنت أظن أن هذه مجرد حكايات يخيفون بها الأطفال، حتى مات أبي، وترك لي مفتاحًا أسود ورسالة قصيرة كُتب فيها: «إذا عدت إلى البيت القديم، فلا تبحث عن أمك، ولا تصدق وجهك إذا رأيته يبكي».

لم أفهم الرسالة، لكنني كنت بحاجة إلى معرفة سر أبي، فعدت إلى القرية التي غادرتها وأنا طفل، إلى البيت الذي لم أتذكر منه سوى رائحة البخور وصوت امرأة تبكي خلف الجدران.

استقبلني عمي عند الباب، وكان وجهه شاحبًا كأن الموت نسيه في منتصف الطريق. قال لي: «كنت أتمنى ألا تعود». سألته عن السبب، لكنه لم يجب. اكتفى بإعطائي مفتاح الغرفة الموجودة في نهاية الممر، ثم طلب مني ألّا أفتحها مهما سمعت في الليل.

في تلك الليلة، استيقظت على صوت أمي تناديني باسمي. كانت تناديني بالطريقة نفسها التي كانت تفعلها عندما كنت صغيرًا، بصوت دافئ يجعلني أنسى أنها ماتت منذ سنوات طويلة. خرجت من غرفتي، فوجدت الممر خاليًا، لكن باب الغرفة الأخيرة كان مفتوحًا. في الداخل، وقفت امرأة ترتدي ثوبًا أبيض، وظهرها لي. قلت بصوت مرتجف: «ماما؟» توقفت عن الحركة، ثم أجابت: «كبرت يا حبيبي».

اقتربت منها، لكنني تذكرت فجأة أن أمي كانت مصابة بحرق قديم في يدها اليمنى. نظرت إلى يد المرأة، فلم أجد أثرًا للحرق. تراجعت. استدارت ببطء، وكان وجهها وجهي. ابتسمت وقالت: «أخيرًا، عرفت الفرق بيننا». أغلقت الباب وهربت إلى غرفتي، لكنني لم أنم. جلست أراقب المرآة حتى الفجر، وعندما نظرت إليها للمرة الأخيرة، لم أرَ انعكاسي. رأيت طفلًا صغيرًا يجلس على أرض غرفة مظلمة، يحتضن ركبتيه ويبكي. كان الطفل أنا.

في الصباح، واجهت عمي بما رأيت. لم يتفاجأ، بل جلس أمامي وأخرج صندوقًا خشبيًا من تحت سريره. قال: «هناك شيء يجب أن تعرفه عن ولادتك». فتح الصندوق، فوجدت عشرات الصور القديمة. في كل صورة، كان أبي يحمل طفلًا رضيعًا، وبجانبه رجل آخر يشبهه تمامًا. لم تتغير ملامح الرجل الآخر عبر السنين، بينما شاخ أبي ومات.

وفي أسفل الصندوق، وجدت شهادة ميلاد باسمي، وشهادة أخرى تحمل الاسم نفسه، لكن تاريخ الميلاد فيها يسبق تاريخي بثلاثة أيام. قلت: «مين الطفل التاني؟» أجاب عمي: «أخوك». لم يكن لدي أخ، أو هكذا أخبروني طوال حياتي.

حكى لي أن أمي أنجبت طفلين، لكن أحدهما وُلد بلا نبض. دفنوه في مقبرة العائلة، وبعد ثلاثة أيام، سمعوا بكاء طفل يأتي من داخل القبر. حين فتحوا القبر، وجدوه فارغًا. وفي الليلة نفسها، عاد أبي إلى المنزل حاملًا طفلًا رضيعًا، وقال إن الله أعاد إليهم ابنهم. لكن أمي لم تقتنع أبدًا. كانت تقول إن الطفل الذي عاد لم يكن ابنها، وإن شيئًا آخر ارتدى جسده.

بعد ذلك، بدأت أمي تتحدث إلى الجدران، وتغلق المرايا، وتخفي اسمي عن الغرباء. وقبل موتها بأيام، كتبت في دفترها: «الذي يعيش معنا ليس ابني. ابني الحقيقي ما زال تحت الأرض، ينتظر أن يتذكره أحد».

سألت عمي: «وأنا مين فيهم؟» لم يجب، لكنه نظر إلى المرآة خلفي. التفتُّ إليها، فوجدت انعكاسي واقفًا، بينما كنت جالسًا. رفع يده ولوّح لي، ثم كتب بإصبعه على الزجاج من الداخل: «هو الكاذب. أنا الذي خرج من القبر».

في تلك الليلة، قررت الذهاب إلى المقبرة. وجدت قبرًا بلا اسم في نهاية الصف الأخير. كان التراب فوقه جديدًا، رغم أن شواهد القبور المجاورة مغطاة بطبقات كثيفة من الغبار. حفرت قليلًا، فظهرت علبة معدنية صغيرة. بداخلها رسالة من أمي: «إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أن أحدكما عاد إلى مكانه. لا تحاول معرفة أيكما الحقيقي، لأن الحقيقة ليست أن واحدًا منكما حي والآخر ميت. الحقيقة أنني أنجبت طفلًا واحدًا، لكن شيئًا ما قسمه إلى اثنين: واحدًا أخذ الخوف، والآخر أخذ الحياة. وطوال سنوات، كان كل منكما يحاول استعادة ما ينقصه».

في اللحظة التي انتهيت فيها من القراءة، سمعت خطوات خلفي. كان أبي واقفًا عند بوابة المقبرة، رغم أنني رأيته يُدفن بيدي. قال: «أحسنت. الآن تستطيع العودة إلى البيت». صرخت: «أنت مين؟» أجاب: «أنا الرجل الذي أحبك، حتى عندما لم تكن ابني». ثم أشار إلى القبر وقال: «لا تفتح هذا القبر مرة أخرى. أخوك لا يريد الخروج، بل يريدك أنت أن تدخل».

سمعت صوتًا يأتي من تحت الأرض، صوت طفل يبكي، ثم صوتي، لكن أصغر وأكثر حزنًا: «أنا تعبت من الانتظار».

عدت إلى المنزل قبل الفجر. كان عمي واقفًا في الصالة، يحمل حقيبة سفر. قال إنه سيغادر القرية، وإنني يجب أن أفعل الشيء نفسه. لكنه لم يتحرك نحو الباب، بل ظل ينظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، التي توقفت عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة. سألته: «إيه اللي هيحصل الساعة دي؟» قال: «كل سبعة وعشرين عامًا، يعود الطفل الذي دفنوه ليطالب باسمه. وفي كل مرة، يختفي أحد أفراد العائلة». ثم نظر إليّ وأضاف: «هذه المرة، لن يكتفي بالاسم».

فجأة، انطفأت الأنوار. سمعنا طرقًا على الباب الخارجي. ثلاث طرقات، ثم صوت أبي من الخارج: «افتحوا. أنا رجعت». نظر عمي إليّ بفزع، وأمسك بيدي وجرني إلى المخزن، وأغلق الباب علينا. من خلال الشق الصغير، رأيت الباب يُفتح وحده. دخل رجل يشبه أبي، ثم وقف أمام المرآة الكبيرة في الصالة وقال بصوت هادئ: «أين ابني؟»

لم يجب أحد. ابتسم، ووضع كفه على المرآة. تشقّق الزجاج، وخرجت منه يد صغيرة، ثم ذراع، ثم طفل يرتدي ثيابًا قديمة مبللة بالتراب. كان وجهي. كان يبتسم، لكن عينيه كانتا دامعتين. قال الطفل للرجل: «أريد اسمي». أجابه الرجل: «لقد أخذت كل شيء. ماذا تريد أيضًا؟» قال الطفل: «أريد أن أتذكر من قتلني».

ثم رفع رأسه ونظر مباشرة إلى الشق الذي كنت أراقب منه. «أخي يعرف». شعرت بيد عمي ترتجف فوق فمي ليمنعني من الصراخ. وفجأة، تذكرت شيئًا لم أتذكره منذ طفولتي: غرفة مغلقة، أبي يبكي، وأمي تحتضنني وهي تقول إن عليّ أن أنسى ما حدث. تذكرت أنني كنت طفلًا واحدًا بالفعل، وتذكرت أنني لم أكن الطفل الذي خرج من القبر. كنت الطفل الذي دفع أخاه إلى البئر، ثم نسي.

مع شروق الشمس، اختفى عمي، واختفى البيت، واختفت المرآة. وجدت نفسي وحيدًا في أرض خالية، وفي يدي المفتاح الأسود. عدت إلى المدينة، وحاولت أن أعيش حياة طبيعية. لم أخبر أحدًا بما حدث، وبدأت أصدق تدريجيًا أن كل ما رأيته كان كابوسًا صنعه الحزن.

حتى وصلتني رسالة بعد شهر من رقم مجهول. كانت صورة لقبر أبي، وفوقه شاهد جديد يحمل اسمي. وتحت الصورة، جملة واحدة: «شكرًا لأنك تذكرتني. الآن أستطيع أن أعيش حياتك».

رفعت عيني إلى المرآة أمامي. كان انعكاسي يبتسم، أما أنا فلم أكن أبتسم. مددت يدي إلى وجهي، فوجدته باردًا كالحجر. ثم تحرك انعكاسي وحده، وكتب على الزجاج من الداخل: «لا تخف يا أخي. لن آخذ منك الكثير».

انطفأ الضوء، وفي الظلام، سمعت صوت طفل يهمس بجوار أذني: «مجرد اسمك».

النهاية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تابع جديد Kenzy shoman

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق