في هذا المقال

أغنية قابلتنا في الطريق
رواية رومانسية كوميدية
الفصل الأول: البنت اللي غنت للميكروفون الغلط
في الساعة السابعة وثلاث عشرة دقيقة مساءً، كانت نور تقف فوق مسرح صغير في وسط القاهرة، تحمل ميكروفونًا، وتغني بكل إحساسها أغنية حب.
وكان هناك تفصيل بسيط جدًا.
هي لم تكن تغني أغنية حب.
كانت تغني إعلانًا عن خصم خمسين بالمئة على البيتزا.
لكن الموسيقى كانت جميلة، والإضاءة كانت ذهبية، وصوتها كان رائعًا، فقررت نور أن تمنح الإعلان مشاعر لم يطلبها أحد.
«لو قلبك يوم جاع… تعالى خد بيتزا معاناااا!»
ضحك الجمهور.
رفعت يدها في الهواء.
«واللي بيحب بجد… يطلب بيتزا حجم عائلي!»
في آخر القاعة، كان شاب يحمل كاميرا، يحاول تصوير الإعلان دون أن يقع من الضحك.
اسمه كريم.
وكان قد جاء لتصوير فيديو مدته ثلاثون ثانية.
لكنه ظل يصورها ثلاث دقائق.
بعد انتهاء الإعلان، نزلت نور من المسرح، فوجدته يقترب منها.
قال:
«هو الحب عندكم عليه جبنة زيادة؟»
نظرت إليه.
«حسب الميزانية.»
«طب لو أنا قلبي مجروح؟»
«نرش عليه زيتون.»
ضحك.
«أنا كريم.»
«نور.»
«إنتِ بتغني إعلانات كتير؟»
«بس لما الإعلان يستاهل.»
«والبيتزا تستاهل؟»
«أكتر منك غالبًا.»
رفع الكاميرا.
«ممكن أسألك سؤال؟»
«اتفضل.»
«إنتِ بتعرفي تغني بجد؟»
ابتسمت.
«آه.»
«طب ليه بتغني للبيتزا؟»
«عشان البيتزا بتدفع.»
ضحك كريم.
ثم قال:
«أنا عندي مشروع موسيقي، وبندور على صوت زي صوتك.»
رفعت حاجبها.
«مشروع إيه؟»
«فرقة صغيرة. بنغني في حفلات، وبنعمل أغاني من حكايات الناس.»
«يعني لو حكيتلك عن جارتي اللي بتخبط على الحيطة كل ما أشغل أغنية، هتعملها أغنية؟»
«طبعًا.»
«اسمها أم محمود.»
«اسم الأغنية: أم محمود لا تنام.»
ضحكت نور حتى اضطرت إلى الاستناد على الطاولة.
ولم تكن تعرف أن هذا الشاب سيصبح بعد أشهر الشخص الذي تستطيع أن تضحك معه حتى وهي تبكي.
أما كريم، فقد خرج من المكان وهو يفكر في شيء واحد:
الصوت ده لازم يغني معانا.
---
الفصل الثاني: الفرقة التي لا تعرف الهدوء
بعد أسبوع، دخلت نور إلى استوديو صغير في شارع جانبي.
كان المكان مليئًا بالآلات الموسيقية، والأكواب، والأوراق، وأشخاص يتحدثون في الوقت نفسه.
في الزاوية، كان شاب يعزف على الجيتار.
وبجانبه فتاة تضرب على الطاولة بإيقاع.
وشخص آخر يحاول إصلاح سماعة، بينما يقول:
«أنا متأكد إنها كانت شغالة امبارح.»
صرخت فتاة من الداخل:
«إنت قلت كده من شهر!»
التفت كريم إلى نور.
«أهلًا بيكِ في الفرقة.»
نظرت حولها.
«هو إحنا بنعمل موسيقى ولا بنفتح محل صيانة؟»
ضحك.
«الاتنين حسب الظروف.»
قدمها إلى الجميع.
كانت الفرقة تتكون من خمسة أشخاص:
كريم، عازف الجيتار والمصور.
ليلى، عازفة الكمان، التي تستطيع تحويل أي نقاش إلى محاضرة.
زياد، عازف الإيقاع، الذي يضحك قبل أن ينتهي من نكتته.
وسارة، صاحبة الصوت الثاني، التي تعرف أسرار الجميع حتى قبل أن تحدث.
بدأوا تجربة صوت.
غنت نور مقطعًا قصيرًا.
توقف الجميع.
قال زياد:
«يا جماعة، أنا اتجوزت صوتها.»
قالت سارة:
«طلقه الأول، هو لسه مش موافق.»
ضحكوا.
أما كريم، فكان ينظر إليها بصمت.
لم يكن فقط صوتها جميلًا.
كان فيها شيء يجعل الأغنية تبدو كأنها حكاية حدثت فعلًا.
قال:
«ممكن نعمل أغنية سوا؟»
«عن إيه؟»
فكر قليلًا.
«عن اتنين بيقابلوا بعض كل يوم، بس كل مرة في مكان مختلف.»
ابتسمت.
«وبعدين؟»
«وبعدين يكتشفوا إنهم كانوا بيدوروا على نفس الأغنية.»
نظرت إليه.
«دي حلوة.»
«عارف.»
«متغرّش.»
«متأخر.»
---
الفصل الثالث: سبع مقابلات لا تشبه بعضها
في البداية، لم تكن نور وكريم أكثر من صديقين.
كانا يتقابلان في الاستوديو.
ثم في حفلات صغيرة.
ثم في الشارع، عندما يشتريان الطعام للفرقة.
لكن الغريب أن كل لقاء كان يحمل شيئًا جديدًا.
المرة الأولى: في محل العصير
كان كريم يقف أمام قائمة العصائر، محتارًا.
قالت نور:
«إنت بتختار عصير ولا بتحدد مصيرك؟»
«أنا محتار بين مانجا وفراولة.»
«خد الاتنين.»
«أنا شخص بسيط.»
«واضح. مش قادر تختار بين لونين.»
طلب عصير مانجا.
وعندما أخذ أول رشفة، وجد نور تنظر إليه.
«إيه؟»
«عندك شنب مانجا.»
مسح فمه.
«راح؟»
«لا.»
مسح مرة أخرى.
«دلوقتي؟»
ضحكت.
«كريم، إنت بقيت برتقالي.»
المرة الثانية: في محطة المترو
كانت نور تحاول الوصول إلى الفرقة، لكنها ركبت الاتجاه الخطأ.
وجدت كريم واقفًا في المحطة نفسها.
قالت:
«إنت بتعمل إيه هنا؟»
«رايح الاستوديو.»
«وأنا كمان.»
نظر إلى اللافتة.
«بس إحنا في الاتجاه العكس.»
سكتت نور.
ثم قالت:
«أنا كنت عايزة أشوف لو هتلاحظ.»
«طبعًا.»
«كذاب.»
«طبعًا.»
ركبا القطار في الاتجاه الصحيح، وظلا يضحكان على الموضوع طوال الطريق.
المرة الثالثة: في فرح غريب
كانت الفرقة تعزف في حفل زفاف.
وفي منتصف الأغنية، انقطع الصوت.
لكن كريم بدأ يعزف على الجيتار دون ميكروفون.
نور غنت معه.
ثم انضم إليهما الضيوف.
وبعد دقائق، أصبح الجميع يغني ويرقص.
قالت نور وهي تضحك:
«إحنا كده بنشتغل ولا بنحضر الفرح؟»
رد كريم:
«أنا مش عارف، بس العريس طلب منا نفضل لحد التورتة.»
المرة الرابعة: في محل ملابس
كانت نور تشتري قبعة مضحكة لتصوير فيديو.
خرجت من غرفة القياس وهي ترتدي قبعة على شكل بطة.
نظر إليها كريم.
سكت.
ثم قال:
«أنا مش هقدر أتعامل معاكِ بجدية بعد النهارده.»
رفعت القبعة.
«كواك؟»
ضحك حتى جلس على المقعد.
ومن يومها، أصبحت القبعة جزءًا من معدات الفرقة.
المرة الخامسة: في حديقة عامة
كان كريم يعزف لحنًا جديدًا.
جلست نور بجانبه.
قالت:
«اللحن ده حلو.»
«لسه ناقصه كلمات.»
فكرت قليلًا.
ثم غنت:
«يا اللي بتسرق آخر حتة بطاطس…»
رفع رأسه.
«إنتِ بتكتبي أغنية حب ولا بلاغ؟»
«حسب مين أكل البطاطس.»
ضحك.
ثم بدأ يعزف اللحن مرة أخرى.
وغنت نور فوقه.
وكانت تلك أول أغنية يكتبانها معًا.
المرة السادسة: في المطر
كانا عائدين من الاستوديو.
بدأ المطر فجأة.
ركضا إلى مظلة محل مغلق.
كانت نور تضحك، وشعرها مبتل قليلًا.
قال كريم:
«إنتِ بتضحكي ليه؟»
«عشان شكلك.»
«شكلي عامل إزاي؟»
«كأنك خسرت معركة مع السحاب.»
نظر إلى شعره.
«وأنتِ؟»
«أنا شكلي جميل في المطر.»
«دي ثقة ولا حقيقة؟»
«الاتنين.»
ثم بدأ كريم يغني اللحن الذي كتبه في الحديقة.
غنت نور معه.
وفي منتصف الأغنية، ضحكت ونست الكلمات.
فقال:
«كملي.»
«مش فاكرة.»
«قولي أي حاجة.»
فغنت:
«يا سحاب، خف علينا…»
ضحك.
ثم أكمل معها.
ولم يكن أي منهما يعرف أن هذه اللحظة ستصبح أغلى ذكرى عندهما.
المرة السابعة: في مكان لم يخططا له
في يوم مزدحم، ذهبت نور إلى مكتبة موسيقية قديمة تبحث عن نوتة.
وجدت كريم هناك.
كان يقف أمام رف طويل.
قالت:
«إنت بتعمل إيه هنا؟»
ابتسم.
«بدور على أغنية.»
«إحنا عندنا أغاني كتير.»
«مش الأغنية دي.»
نظر إليها.
«الأغنية اللي لسه مش عارف أكتبها.»
لم تفهم قصده.
لكن قلبها شعر بشيء مختلف.
---
الفصل الرابع: أغنية لا تشبه الأغاني
بدأت نور تلاحظ أن كريم لم يعد مجرد صديق.
صار أول شخص تريد أن تخبره عندما يحدث شيء جميل.
وأول شخص تبحث عنه بعينيها عندما تدخل مكانًا.
وأول شخص تستطيع أن تضحك معه على أشياء لا يفهمها أحد غيرهما.
أما كريم، فبدأ يجد أعذارًا غريبة ليقابلها.
مرة يقول إنه يحتاج رأيها في أغنية.
ومرة يطلب منها مساعدته في اختيار هدية.
ومرة يتصل بها ليسأل:
«إنتِ تعرفي محل بيبيع بطاطس حلوة؟»
فترد:
«كريم، الساعة واحدة بالليل.»
«أنا عندي أزمة.»
«أزمة بطاطس؟»
«أزمة حقيقية.»
وفي يوم، كانت نور جالسة مع الفرقة، فقالت سارة:
«أنا عندي سؤال.»
«اسألي.»
«إنتِ وكريم مرتبطين؟»
شهقت نور.
«إيه؟ لا!»
قال زياد:
«طب ليه بيبصلك كأنك آخر قطعة بيتزا؟»
ضحكت ليلى.
«أنا شايفة إننا محتاجين نكتب أغنية عن الموضوع.»
دخل كريم في اللحظة نفسها.
«عن إيه؟»
قال زياد:
«عن الحب.»
رد كريم:
«أنا مشغول.»
قالت سارة:
«أيوه، واضح.»
نظرت نور إلى الأرض، وابتسمت.
وكان كريم قد سمع كل شيء.
لكنه لم يقل شيئًا.
فقط جلس بجانبها، ووضع كوب العصير أمامها.
«مانجا.»
نظرت إليه.
«إنت فاكر؟»
«أنا فاكر حاجات كتير.»
---
الفصل الخامس: الغيرة التي لم تكن غيرة
في إحدى الحفلات، جاء شاب اسمه مازن، وكان يعرف نور من الجامعة.
جلس بجانبها، وظل يتحدث معها ويضحك.
كان كريم على المسرح، لكنه كلما نظر إليها وجدها تضحك.
وفي منتصف الأغنية، نسي كلمة.
توقف زياد عن العزف.
همس:
«كريم، إحنا فين؟»
قال كريم:
«في الأغنية.»
«إنت نسيت الأغنية.»
«أنا براجعها.»
ضحكت الفرقة.
بعد الحفل، اقترب كريم من نور.
«مين مازن؟»
«صاحبي من الجامعة.»
«آه.»
«إنت مالك؟»
«مفيش.»
ابتسمت.
«إنت غيران؟»
«أنا؟»
«آه.»
«أنا بس كنت مستغرب إنه بيضحك على نكتك.»
رفعت حاجبها.
«هو إنت مش بتضحك على نكتي؟»
«أنا بضحك مجاملة.»
شهقت نور.
«كريم!»
ضحك.
ثم قال بهدوء:
«بس أنا بحب أكون الشخص اللي بيضحكك.»
توقفت نور عن المزاح.
نظرت إليه.
«إنت فعلًا بتضحكني.»
ابتسم.
«كويس.»
ثم أضاف:
«لأني بحب أشوفك مبسوطة.»
كانت تلك أول مرة يقول فيها شيئًا يجعلها تشعر أن قلبها أصبح أهدأ وأسرع في الوقت نفسه.
---
الفصل السادس: الأغنية اللي كملت
مرت شهور من اليوم اللي غنّت فيه نور مع كريم لأول مرة.
في البداية، كانت الحكاية مجرد صدفة لطيفة، بعدها بقت صداقة مليانة ضحك ومشاوير مفاجئة، وبعدها بقى فيه شيء واضح بينهم، حتى لو الاتنين كانوا بيحاولوا يتعاملوا معاه كأنه مش موجود.
كريم بقى يعرف إمتى نور بتكون متوترة من طريقة لفّها لخاتمها في صباعها، ونور بقت تميّز مزاجه من أول نغمة بيطلعها على الجيتار.
وكانت فرقة كريم اتعودت على وجودها لدرجة إن زياد، أول ما يشوفها داخلة البروفة، يقول:
«أهو وصلنا للشخص الوحيد اللي بيقدر يخلي كريم ييجي في معاده.»
كريم رفع عينه من الجيتار:
«أنا باجي في معادي.»
نور بصت في الساعة:
«إنت جاي متأخر أربعين دقيقة.»
«كنت بجهز نفسي نفسيًا.»
«للبروفة؟»
«لشوفتك.»
زياد صفّر:
«طب أنا هروح أجيب حاجة من بره… واضح إن المكان بقى محتاج خصوصية.»
نور ضحكت، وكريم حاول يبان جاد، لكنه فشل أول ما شاف ضحكتها.
ومع الوقت، بقت نور جزءًا من الأغاني الجديدة. كانت تسمع اللحن وتقول رأيها بصراحة، وأحيانًا تغيّر كلمة واحدة فتخلي الأغنية كلها أحلى.
في ليلة، كانوا قاعدين في الاستوديو بعد بروفة طويلة. المطر بيخبط على الشبابيك، والأنوار الصغيرة عاملة جو دافي. كريم كان بيجرب لحن جديد، لكنه وقف فجأة.
«نور، تعالي اسمعي دي.»
قربت منه، فبدأ يعزف. كانت نغمة هادية، فيها شيء يشبه أول لحظة اتقابلوا فيها، وشيء يشبه كل الأيام اللي بعدها.
لما خلص، فضلت ساكتة.
كريم بص لها بقلق:
«مش عاجباكي؟»
«بالعكس… حلوة أوي.»
«طب ليه ساكتة؟»
ابتسمت:
«عشان حاسة إنها مش أغنية وبس.»
كريم نزل عينه للجيتار، ثم قال بهدوء:
«هي فعلًا مش أغنية وبس.»
سكت لحظة، كأنه بيجمع شجاعته، وبعدها رفع عينه لها.
«نور، أنا بقيت أستنى أي حاجة عشان أشوفك. البروفة، المشوار، حتى الخناقة على مين يختار الأغنية. بقيت لما يحصل لي حاجة حلوة، أول حد أفكر أحكيله هو إنتِ. ولما يومي يبقى صعب، وجودك بيخلّيه أخف.»
نور ابتسمت، لكن عينيها لمعت.
«وأنا بقيت أحس إن أي مكان بروحه وإنت مش فيه، ناقصه حاجة.»
كريم قرب خطوة، وسألها بصوت واطي:
«ينفع أقولك إني بحبك؟»
ضحكت وهي بتحاول تخبي ارتباكها:
«إنت لسه بتسأل؟»
«أصل كنت مستني موافقة رسمية.»
«موافقة.»
ابتسم كريم، ومد إيده لها. نور مسكتها، فشدّها لحضنه برفق. فضلت لحظة ساكتة، وبعدها همست:
«أنا مبسوطة أوي.»
كريم رد:
«وأنا مش مصدق إن الأغنية اللي بدأت بصدفة، وصلتني ليكي.»
ومن بعيد، جه صوت زياد من وراء باب الاستوديو:
«إحنا لسه هنا، على فكرة!»
نور ضحكت، وكريم قال:
«أنا هطرد الفرقة كلها.»
«لا، سيبهم. دول شهود على بداية القصة.»
---
الفصل السابع: مفاجأة أم بداية حياة جديدة؟
بعد الاعتراف، ما اتغيرش كل شيء مرة واحدة. بالعكس، الحاجات الصغيرة هي اللي اتغيرت.
بقى كريم يبعت لها تسجيلات صوتية لألحان جديدة، ونور تبعت له ملاحظاتها، وغالبًا تنتهي الملاحظات برسالة: «اللحن حلو، بس صاحب اللحن محتاج ينام بدل ما يسهر للصبح».
وبقى فيه مشاوير طويلة، ومكالمات تمتد لحد ما واحد فيهم ينام والتاني يفضل يقول: «إنت لسه صاحي؟» وهو عارف إن الرد مش هييجي.
وفي يوم، كريم قرر يعمل لها مفاجأة. قال لها إنه محتاج رأيها في مكان جديد للفرقة، لكنه أخدها لحديقة صغيرة كانوا عازفين فيها أول مرة سوا.
كان المكان متزين بأنوار دافئة، وفيه طاولة صغيرة عليها صور من الأيام اللي قضوها مع بعض: صورة من البروفة الأولى، صورة وهما بيضحكوا بعد حفلة، وصورة عفوية لنور وهي بتبص له وهو بيعزف.
نور وقفت قدام الصور، وابتسامتها هديت.
«إنت فاكر كل ده؟»
«فاكر أكتر.»
كريم أخرج علبة صغيرة من جيبه، لكنه قبل ما يفتحها قال:
«أنا مش عايز أكون مجرد الشخص اللي بيغنيلك أغنية حلوة. عايز أكون الشخص اللي تلاقيه جنبك في الأيام العادية، وفي الأيام الصعبة، وفي كل مرة تضحكي فيها من قلبك. عايز أشاركك تفاصيل حياتك، حتى الحاجات اللي شكلها بسيطة ومش مهمة.»
نور بصت له، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
«كريم…»
فتح العلبة، وكان فيها خاتم بسيط وناعم.
«تتجوزيني؟»
ضحكت وهي بتمسح دموعها:
«إنت بتسألني بعد كل ده؟»
«أيوه، عشان السؤال مهم، ومش هقبل إجابة من غير ما أسمعها.»
نور هزت رأسها وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت:
«أيوه. موافقة.»
كريم لبّسها الخاتم، وبعدها حضنها. حضن طويل، دافي، مليان فرحة وراحة، كأن كل المشاوير اللي فاتت كانت بتوصلهم للحظة دي.
ومن خلف شجرة قريبة، ظهر زياد ومعاه باقي الفرقة، وكل واحد ماسك حاجة للاحتفال.
نور شهقت:
«إنتوا كنتوا مستخبيين هنا؟!»
زياد رد:
«طبعًا. إحنا فرقة موسيقية، مش ناس بتفوت لحظة تاريخية.»
كريم بص له:
«إنت كنت بتصور؟»
«لا، كنت براقب جودة الإضاءة.»
ضحكوا كلهم، وبدأت الفرقة تعزف اللحن اللي كريم كتبه لنور. نور مدت إيدها له، ورقصوا تحت الأنوار، وسط تصفيق أصحابهم وضحكهم
يوم الخطوبة، البيت كان مليان ناس وأصوات وورد. نور كانت متوترة، وكل شوية تسأل صاحبتها إذا كان كل شيء تمام.
لما كريم دخل، لمحها وسط الزحمة. ابتسم لها ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كفاية تخلي توترها يهدى.
بعد ما قعدوا، كريم مال ناحيتها وهمس:
«إنتِ حلوة أوي.»
نور ابتسمت:
«إنت قلتها من شوية.»
«هقولها تاني. عندي رصيد كلام حلو لازم أستخدمه.»
«طب خليه لوقت مناسب.»
«هو فيه وقت أنسب من دلوقتي؟»
ضحكت، ثم مدت إيدها له. كريم مسكها، وبص لها نظرة فيها فرحة وامتنان.
وسط التهاني، اقترب والد نور منها، واحتضنها بحنان. كان واضحًا إنه متأثر، فرفعت نور عينيها له.
«إنت زعلان؟»
هز رأسه:
«لا يا حبيبتي. أنا فرحان… بس فجأة حسيت إن الأيام جريت.»
نور حضنته بقوة:
«إنت هتفضل معايا في كل حاجة.»
ابتسم، ومسح على شعرها:
«عارف. وأنا مطمن عليكي.»
كريم وقف قريب، واحترم اللحظة من غير ما يقاطعها. ولما والد نور مد إيده له، قال:
«خلي بالك منها. هي غالية عندي.»
كريم صافحه بجدية:
«هفضل أقدّرها وأحترمها، وأكون سند ليها. ووعد مني إن ضحكتها تفضل جزء من بيتنا.»
والد نور ابتسم، وربّت على كتفه:
«ربنا يسعدكم.»
---
الفصل الثامن والأخير: وجاء يوم الفرح.
القاعة كانت مليانة نور وورد، والموسيقى بتملأ المكان. نور كانت واقفة قبل دخولها، ماسكة إيد صاحبتها، وبتحاول تهدي نفسها.
لما شافت كريم مستنيها، اختفى كل التوتر للحظة.
كان واقف مبتسم، وعينيه عليها، كأنه مش شايف حد غيرها.
دخلت، والناس صفقوا، والفرقة بدأت تعزف الأغنية اللي اتولدت من أول صدفة جمعتهم.
كريم مد إيده لها، فنور مسكتها.
«جاهزة؟» سألها.
«على إيه؟»
«نبدأ حياتنا ونشوف مين فينا هيضيّع مفاتيح البيت الأول.»
ضحكت:
«غالبًا إنت.»
«طب نعتبرها أول تحدي بين الزوجين.»
رقصوا، وضحكوا، وغنّوا مع أصحابهم. وفي وسط الزحمة، كريم مال ناحيتها وقال:
«فاكرة أول مرة اتقابلنا؟»
«أيوه. وكنت مستفز.»
«ولسه؟»
«شوية.»
«حلو. المهم إنك بتحبيني رغم كده.»
نور ابتسمت:
«بحبك عشان كده كمان.»
بعد الفرح، وفي طريقهم لبيتهم الجديد، كانت نور ساكتة وهي بتبص من الشباك. كريم لاحظ، فمسك إيدها.
«بتفكري في إيه؟»
«في كل حاجة حصلت… مش مصدقة إننا وصلنا لهنا.»
كريم ضغط على إيدها برفق:
«وأنا كل ما أفتكر إن الموضوع بدأ بصدفة، بحس إن الدنيا ساعات بتخبّي لنا أحلى حاجات في أبسط الأيام.»
نور سندت رأسها على كتفه:
«المهم إننا نفضل نختار بعض، حتى في الأيام العادية.»
«خصوصًا الأيام العادية.»
في بيتهم، كانت أول ليلة هادية بعد كل الاحتفالات. نور دخلت الصالة، لقت الجيتار على الكنبة، وعلبة صغيرة جنبها.
فتحتها، فوجدت ورقة مكتوب عليها:
«لما قابلتك، كنت فاكر إن الأغاني هي أحلى حاجة ممكن أعملها. بعدك عرفت إن أحلى حاجة هي إن يكون في حد يسمعها ويفهم اللي وراها. شكرًا إنك بقيتي بيتي، وصوتي المفضل، وأجمل صدفة في حياتي.»
نور رفعت عينيها، لقت كريم واقف عند باب الصالة.
«إنت كتبت الكلام ده؟»
«أيوه.»
«حلو أوي.»
«عندي كمان نسخة أطول، بس خفت تزهقي.»
ضحكت، ومشت ناحيته، وحضنته.
«مش هزهق منك.»
كريم حضنها، ثم قال:
«طب نغني الأغنية؟»
نور رفعت رأسها:
«دلوقتي؟»
«أيوه. عشان دي أول أغنية في بيتنا.»
قعدوا جنب بعض، كريم عزف اللحن، ونور غنّت معاه. صوتها ملأ البيت الصغير، وخلّى المكان يبدو كأنه اتخلق مخصوص للحظة دي.
وفي البيت اللي امتلأ بالموسيقى والضحك، بدأت حكاية جديدة؛ مش حكاية اتنين اتقابلوا وانتهت عند كلمة «بحبك»، لكن حكاية اتنين اختاروا يكملوا الطريق مع بعض، بكل تفاصيله الصغيرة، ومفاجآته، وأغانيه.
لأن أجمل الأغاني مش اللي بتخلص بتصفيق…
أجملها اللي تفضل تتغنّى في البيت، كل يوم، بصوتين اختاروا بعض.
تمت.
تابع جديد Alya Sheta
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق