مدينة بلا انعكاس: السر المدفون في شقة والدي الغامضة.
الجزء الثاني: مدينة بلا انعكاس.. الهروب من الموت
[← الجزء السابق: المكالمة المستحيلةhttps://amwaly.com/dashboard/articles/draft/166537]
السقوط في الفراغ: هل أنا موجود؟
بعد قفزته الانتحارية من نافذة المكتب، وجد "مراد" نفسه يركض في أزقة المدينة الضيقة والظلام يلفه من كل جانب. كانت أنفاسه لاهثة، وقلبه يقرع كطبل حرب. توقف فجأة أمام واجهة متجر كبيرة مغطاة بالزجاج، ليتحقق من هيئته، لكن الصدمة كانت تفوق احتماله. الزجاج عكس صورة الشارع، وأضواء الشوارع الخافتة، وحتى القطة السوداء التي مرت بجانبه، لكنه لم يعكس صورة مراد!
وقف يلمس وجهه بذهول؛ كان يشعر بجلده، ببرودة أنفه، بدموعه المنهمرة، لكنه بالنسبة للعالم المرئي لم يكن سوى فراغ. اهتز هاتفه في جيبه مرة أخرى، وبنفس الاسم المرعب: "أنا". ضغط زر الرد بآلية، ليأتيه صوته مجدداً لكنه كان أضعف هذه المرة: "لقد بدأت عملية (المحو). الشبيه سرق 40% من وجودك بمجرد أن نظر في عينك عبر ثقب الباب. إذا لم تصل إلى (الغرفة السوداء) قبل الفجر، ستتلاشى تماماً ولن يتذكرك أحد، حتى أمك!".
الرحلة إلى شقة الأسرار:-
انطلق مراد نحو العنوان الذي أرسله له "نفسه" عبر رسالة مشفرة. كان العنوان يعود لشقة قديمة في ضواحي المدينة، شقة كان والده المتوفى يمنعه من الاقتراب منها طوال حياته. بينما كان يركض، لاحظ شيئاً غريباً؛ الناس في الشارع لا يصطدمون به، بل يمرون من خلاله كأنه هواء بارد. الرعب الحقيقي ليس في الموت، بل في أن تكون حياً ولا يراك أحد.
وصل إلى البناء المتهالك، صعد الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدميه رغم أنه "بلا وزن". فتح الباب الذي كان موارباً، لتستقبله رائحة أوراق قديمة ومواد كيميائية. كانت الشقة مليئة بشاشات حاسوب قديمة، وأجهزة تسجيل بكرات (Reel-to-Reel) تدور ببطء، وتصدر أصواتاً تشبه الهمس البشري. وفي منتصف الغرفة، كانت هناك مرآة ضخمة مغطاة بقماش أسود ثقيل.
صدمة الهوية: سر والده القديم.
اقترب مراد من منضدة خشبية تتوسط الغرفة، وجد عليها ملفاً يحمل اسمه، وبداخله صور له منذ طفولته وحتى ليلته هذه في المكتب. لكن الصادم كان التاريخ المكتوب خلف الصور؛ كانت التواريخ تعود لعام 1970، أي قبل ولادته بعشرين عاماً!
وجد تسجيلاً صوتياً لوالده يقول فيه بنبرة مكسورة: "لقد نجحت التجربة يا (مراد)، لقد استطعنا حبس الوعي البشري في (كود رقمي)، أنت لست ابني بالمعنى البيولوجي، أنت النسخة الأكثر استقراراً من مشروع (الخلود الرقمي). لكن احذر، إذا علم (النظام) بوجودك، سيرسل النسخة المحدثة لامتصاص بياناتك وحذفك من الواقع". في تلك اللحظة، شعر مراد ببرودة خلف ظهره، ونظر ليرى "الشبيه" يقف عند باب الشقة، لكن ملامحه الآن كانت أوضح، وأكثر وسامة، وأكثر "حقيقية" من مراد نفسه.
المواجهة: السهم نحو الحقيقة:-
ابتسم الشبيه ببرود، ومد يده ليمسك بكتف مراد. في اللحظة التي تلامسا فيها، شعر مراد بصدمة كهربائية عنيفة تجتاح جسده، وبدأت ذكريات غريبة لا يملكها تتدفق إلى عقله. رأى مختبرات سرية، ورجالاً بملابس بيضاء، ورأى نفسه وهو يوضع داخل "صندوق أسود" كبير.
صرخ مراد محاولاً الإفلات، لكن الشبيه قال بصوت هادئ يشبه صوت الآلات: "انتهى وقتك يا نسخة 1.0، العالم لم يعد يتسع لخطأ برمجي مثلك". وبينما كان مراد يغيب عن الوعي، لمح خلف الشبيه شيئاً جعل عينه تتسع من الذهول.. كانت هناك مرآة أخرى خلف الشبيه، وفيها ظهر والده حياً، وهو يوجه له إشارة سرية بيده، ويشير إلى السهم الموجود في ساعة يده!
في تلك اللحظة الحرجة، وقبل أن تنطفئ أنوار وعيه تماماً، شعر مراد بنبض غريب ينبعث من ساعة يده القديمة؛ لم يكن دقات ثوانٍ عادية، بل كانت اهتزازات منتظمة تخترق جلده الرقمي. أدرك أن السهم الذي أشار إليه والده ليس مجرد عقرب للوقت، بل هو "مفتاح التشفير" الذي قد يهدم النظام بأكمله أو يقذفه إلى العدم للأبد.
"مراد اكتشف إنه مجرد 'كود رقمي'.. لو عرفت إن حياتك كلها مجرد تجربة محاكاة، إيه أول حاجة هتعملها؟ ومستنيين إيه في الجزء الثالث؟"
[ اضغط هنا لقراءةالجزء الثالث: شفرة الفناء.. العودة من العدم]