غابة الهمس المظلم

غابة الهمس المظلم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about غابة الهمس المظلم


الغابة المظلمة 

لم يكن "سليم" يؤمن بالخرافات أبدًا. كان من أولئك الذين يسخرون من قصص الأشباح ويعتبرونها مجرد حكايات لتخويف الأطفال. لكن فضوله كان أقوى من منطقه، وهذا ما دفعه للسفر إلى اليابان من أجل استكشاف غابة أوكيغاهارا، تلك الغابة التي يسمّيها السكان المحليون غابة الأشباح.

وصل سليم عند حافة الغابة قبيل الغروب. كانت السماء رمادية، والهواء ساكنًا بشكل غريب، حتى الطيور لم تكن تُسمع. قرأ لافتة تحذيرية عند المدخل مكتوب عليها: "رجاءً فكّر في عائلتك قبل الدخول." ضحك ساخرًا وقال:
"مجرد مبالغة سياحية."

دخل.

في البداية، بدت الغابة عادية. أشجار كثيفة، أرض مغطاة بأوراق جافة، وصمت عميق. لكنه بعد عشر دقائق لاحظ شيئًا غريبًا: لا يوجد صوت رياح… ولا حشرات… ولا حتى صدى خطواته. كان الصمت كثيفًا لدرجة أنه شعر وكأنه يمشي داخل غرفة مغلقة.

بعد نصف ساعة، أخرج هاتفه ليتفقد الطريق، لكنه تفاجأ بأن البوصلة تدور بلا توقف. ظن أن العطل في الهاتف، فأعاده إلى جيبه. لكن إحساسًا خفيًا بدأ يتسلل إلى صدره… إحساس بأنه ليس وحده.

توقف.

سمع خشخشة خلفه.

التفت بسرعة… لا شيء.

قال في نفسه: "مجرد حيوان."

تابع السير.
ثم سمعها مرة أخرى… خطوات، بطيئة، متعمدة.

هذه المرة كان الصوت أوضح. التفت فجأة — لا أحد. لكن شيئًا آخر شدّ انتباهه: شجرة أمامه عليها شريط بلاستيكي قديم مربوط حول الجذع، وكأنه علامة تركها شخص ليعرف طريق العودة. نظر حوله فوجد شريطًا آخر… ثم آخر… ثم آخر… كأن عشرات الأشخاص سبقوه وتركوا آثارهم… ولم يعودوا.

ابتلع ريقه.

بدأ قلبه يخفق أسرع.

فجأة… سمع همسًا.

لم يكن صوت ريح.
كان صوت كلمات… غير مفهومة.

اقترب الصوت من أذنه كأنه شخص يقف خلفه مباشرة. استدار بعنف — لا أحد. لكن الهواء صار أبرد فجأة، وكأن درجة الحرارة انخفضت في ثانية واحدة.

قال بصوت مرتجف:
"في حد هنا؟"

الصمت.

ثم… ضحكة خافتة.

تجمّد مكانه.

لم تكن ضحكة طبيعية. كانت منخفضة، متقطعة، وكأنها صادرة من حنجرة لا تعرف كيف تضحك. ركض دون تفكير، يتجاوز الأشجار والأغصان، حتى تعثر وسقط. عندما رفع رأسه، رأى شيئًا جعل الدم يتجمّد في عروقه…

آثار أقدام.

لكنها لم تكن أمامه… بل حوله.
دوائر من آثار الأقدام تحيط بالمكان الذي سقط فيه، كأن أشخاصًا وقفوا حوله يراقبونه.

نهض مذعورًا وركض مجددًا. لم يعد يهتم بالاتجاه. كان يريد فقط الخروج.
بعد دقائق من الركض، لمح ضوءًا بين الأشجار. فرح. أخيرًا طريق الخروج!

اندفع نحوه.

لكن عندما وصل… تجمّد.

لم يكن ضوء شمس…
بل فانوس قديم معلق على غصن شجرة.

وتحته… ورقة.

اقترب ببطء، ومد يده المرتعشة وأخذها. كانت مكتوبة بخط يدوي مهتز:

"إذا كنت تقرأ هذه… فهم الآن خلفك."

اتسعت عيناه.

وقبل أن يلتفت…

شعر بنفَس بارد يلامس عنقه.

 

استدار ببطء شديد.

لم يرَ وجهًا.

فقط ظلًّا طويلًا يقف بين الأشجار… بلا ملامح… بلا صوت… لكنه كان هناك.

تراجع خطوة.

الظل تقدّم خطوة.

همس صوتٌ داخل رأسه، لا حوله:
"لماذا دخلت؟"

أغلق عينيه بقوة وهو يرتجف. وعندما فتحهما…

لم يكن هناك شيء.

اختفى الظل.

لكن…

ظهرت آثار أقدام جديدة على الأرض الرطبة أمامه.

آثار تتجه نحوه.

توقفت على بعد خطوة واحدة.

ثم… ظهرت طبعة قدم أخيرة… بجانب قدمه مباشرة.

في تلك اللحظة أدرك الحقيقة المرعبة:
لم يكن هناك شيء يطارده…

بل كان شيءٌ يقف معه طوال الوقت.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
NOUFEL BO تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

1

متابعهم

2

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.