ما وراء الضلام
الصدي الاخير الجزء التاني
عمر (يصرخ): “لن تأخذني!”
استدار عمر وبدأ يركض بجنون، متجاهلاً قاعدة "لا تنظر للخلف". وبينما هو يركض، بدأ يسمع صوت أنفاسه يخرج من مكان آخر بجانبه.. صوت خطواته يسبقه بأمتار.
توقف فجأة عندما وصل إلى حافة الجرف، ليجد شخصاً يقف هناك، يعطيه ظهره، ويرتدي نفس ملابسه تماماً.
الشخص (بصوت عمر تماماً): "تأخرت كثيراً يا عمر.. لقد أصبحتُ أنت.. وأنت أصبحتَ مجرد صدى."

التفت الشخص، وكان يملك وجه عمر بالكامل، لكن بابتسامة واسعة تصل إلى أذنيه. شعر عمر بجسده يتلاشى، وصوته يهرب من حنجرته ليصبح مجرد همس ضائع في الريح.
الصدى الأخير: استعادة الذات
سقط عمر على ركبتيه، يشاهد "نسخته" تقف أمامه بكل برود. بدأ يشعر بأطرافه تصبح شفافة، وصوته يخرج كحشرجة مكتومة لا يسمعها أحد. "المسخ" الذي يرتدي وجهه بدأ يتفحص يديه بإعجاب، مستعداً للانطلاق نحو المدينة ليعيش حياة عمر.
عمر (بصعوبة): “أنت.. أنت مجرد صدى.. لا تملك.. ذكريات.”
النسخة (بابتسامة باردة): "الذكريات هي مجرد قصص، سأخترع قصصاً جديدة."
تذكر عمر فجأة وصية زيد في المقطع الصوتي: "لا تنظروا للخلف". أدرك أن الكيان يتغذى على "الانعكاس"؛ عندما تنظر إليه، تمنحه الإذن بنسخ ملامحك. الحل لم يكن في الهرب، بل في كسر المرآة.
أغمض عمر عينيه بقوة، مستحضراً ذكرى مؤلمة وخاصة جداً لا يعرفها أحد سواه، ذكرى وفاة والده والكلمات الأخيرة التي قيلت له. بدأ يهمس بتلك الكلمات لنفسه، مركزاً على "المشاعر" وليس فقط "الصوت".
النسخة (باضطراب): "ماذا تفعل؟ توقف عن الهمس!"
بدأ الكيان يهتز، وملامحه التي سرقها من عمر بدأت تذوب كالشمع. المشاعر هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن لـ "الصدى" تقليده. فتح عمر عينيه، لكنه لم ينظر لوجه المسخ، بل نظر إلى "ظله" على الأرض. استل سكيناً صغيراً كان في جيبه، وبدلاً من طعن المسخ، طعن "ظل" المسخ في منطقة القلب.
صرخ الكيان صرخة دوت في أرجاء الغابة، صرخة مزيج من مئات الأصوات التي سرقها عبر السنين. انفجر الكيان إلى رماد أسود، وعاد لـ "عمر" صوته وثقله الجسدي فوراً.
ركض عمر نحو مى التي كانت ملقاة خلف الشجرة، بدأت الحياة تعود لعينها.
مى (بتعب): “عمر؟ هل انتهى الأمر؟”
عمر (وهو يسندها): "انتهى.. لكن علينا الرحيل قبل أن يجمع الصدى نفسه مرة أخرى."
بينما كانا يغادران الغابة، سمع عمر صوتاً رقيقاً يناديه من بعيد.. كان صوته هو حين كان طفلاً. لم يلتفت، ولم يتوقف، بل قبض على يد ليلى وأكمل طريقه نحو النور.
بينما كانت أضواء المدينة تلوح في الأفق، لم يشعر عمر بالأمان كما توقع. صمتُ مى كان غريباً، يدها في يده كانت باردة بشكل غير طبيعي، لكنه عزى ذلك للصدمة.
فجأة، توقفت مي عن المشي. سحبت يدها ببطء، ونظرت إلى الأسفل.
عمر (بقلق): “مي؟ لم يبقَ الكثير، المدينة أمامنا.”
مي (بصوت مخنوق): “عمر.. هل تذكر الكلمات التي همست بها لتطرد الصدى؟”
تجمد عمر في مكانه. لم يقل تلك الكلمات بصوت عالٍ، لقد همس بها لنفسه، لروحه فقط. كيف عرفت؟
عمر (بتلعثم): “كانت.. كانت ذكريات خاصة والدي، لماذا تسألين؟”
التفتت مى إليه، لكن وجهها كان خالياً من أي تعبير، عيناها كانت كالثقوب السوداء.
مي “الصدى لا يسرق الملامح فقط يا عمر.. أحياناً يسرق 'الفراغ' الذي تتركه خلفك عندما تهرب. أنت طعنت ظله، لكنك لم تطعن خوفك.”
في تلك اللحظة، لاحظ عمر شيئاً أرعب كيانه. الأضواء التي رآها للمدينة بدأت تتلاشى، أو بالأحرى، بدأت تتحرك. لم تكن أضواء شوارع، بل كانت مئات العيون المضيئة لكيانات تقف عند حدود الغابة، تمنعهم من الخروج.
نظرت مى إلى ظله على الأرض وضحكت بصوت لم يكن صوتها: “لقد عدت من الجرف، لكنك تركت 'حقيقتك' هناك. الشخص الذي بجانبي الآن هو الذي اختار ألا ينظر للخلف.. والشخص الذي ينظر للخلف هو الوحيد الذي يملك طريق العودة.”
أدرك عمر الحقيقة المرة؛ الغابة لم تكن مكاناً، بل كانت "مرآة". الكيان الذي انفجر لم يمت، بل تشتت في الهواء الذي يتنفسه.
همست مي في أذنه ببرودة: “الآن.. سأعطيك سراً أخيراً. ليلى الحقيقية لم تغادر الشجرة أبداً.”
شعر عمر بالأرض تذوب تحت قدميه، وبدأ يسمع صوت خطواته "تسبقه" مرة أخرى نحو المدينة، بينما هو يتراجع لا إرادياً نحو أعماق الغابة.
لم يستسلم عمر لخدعة "مى المزيفة". أدرك أن الغابة تحاول التلاعب بعقله ليفقد الأمل ويتلاشى تماماً. تذكر أن الصدى يتغذى على "الغياب"، فقرر أن يفعل العكس تماماً: أن يواجه الحضور.
أغمض عمر عينيه مرة أخرى، لكن هذه المرة صرخ بكل قوته باسم "زيد" و "مى". لم ينادِ أجسادهم، بل نادى مواقف حقيقية جمعتهم. وفجأة، لاحظ أن "مى" التي بجانبه بدأت تتشقق كزجاج محطم.
ركض عمر عائداً نحو "شجرة الصدى" الكبرى، حيث بدأت المواجهة الأولى. هناك، وجد جسد مى الحقيقي مغطى بخيوط رمادية تشبه الرماد، وبجانبها كان هناك قفص من الجذور يضم جسداً هزيلاً.. إنه زيد! لم يمت، بل كان الصدى يستنزف صوته لسنوات ليغذي الغابة.
النسخة المزيفة صرخت: “إذا لمستهم، ستصبح جزءاً من المكان للأبد!”
تجاهلها عمر. وبدلاً من استخدام السكين، استخدم "الحقيقة". أمسك يد مى ويد زيد في آن واحد، وبدأ يسرد لهما تفاصيل يوم عادي جداً قضوه معاً قبل سنوات، تفاصيل لا يملكها الصدى ولا يستطيع تقليد مشاعرها. ومع كل تفصيل، كان النور يشع من أجسادهم ليحرق الجذور الرمادية.
انفجرت الغابة بصوت يشبه بكاء مئات الأرواح، وتحولت الأشجار إلى أعمدة من الدخان.
فتح عمر عينيه ليجد نفسه مستلقياً على العشب الجاف عند حافة الطريق السريع، والشمس بدأت تشرق. بجانبه كانت مى تتنفس بعمق، وعلى الجانب الآخر كان زيد، بلحيته الكثيفة وملامحه المتعبة، ينظر للسماء بذهول.
زيد (بصوت مبحوح): “عمر؟ لقد.. لقد طال انتظاري في ذلك الصمت.”
عمر (وهو يحتضنهما): “المهم أننا عدنا، ولا أحد منا مجرد صدى.”
بينما كانوا يبتعدون بالسيارة، نظر عمر في المرآة الجانبية. رأى الغابة تختفي خلف ضباب كثيف، وللحظة خاطفة، رأى صورته في المرآة تبتسم له بصدق وتلوح بيده.. كانت هذه هي المرة الأولى التي ينظر فيها للخلف دون خوف، لأن الصدى لم يعد يملك شيئاً ليسرقه