صدى الحائط الثالث
صدى الحائط الثالث:

كان "سليم" يعشق الهدوء، لذا لم يتردد لحظة عندما وجد شقة في مبنى قديم بوسط المدينة بسعر زهيد. كانت الجدران عالية، والنوافذ خشبية ضخمة تطل على شارع صامت لا تمر به السيارات إلا نادراً. استلم المفاتيح من الحارس العجوز الذي كان يتجنب النظر في عينيه، متمتماً بكلمات غير مفهومة عن "الأمانة التي لا تُفتح"
. لم يهتم سليم، فكل ما أراده هو مكاناً ينهي فيه روايته المتعثرة.في الليلة الأولى، كان الصمت مثالياً، حتى دقت الساعة الثالثة فجراً. سمع سليم صوتاً خافتاً خلف جدار غرفة المكتب، وكأن أظافراً بشرية تحاول حفر طريقها عبر الإسمنت. توقف الصوت بمجرد أن اقترب من الحائط. قال لنفسه: "إنها فئران المباني
القديمة"، وعاد لسريره. لكن في الليلة التالية، لم يكن الصوت مجرد خربشة، بل كان همساً. صوت امرأة يرتجف، ينادي باسمه: "سليم... هل تسمعني؟".تصلب سليم في مكانه. كيف يعرف الصوت اسمه؟ استجمع شجاعته ووضع أذنه على الحائط. كان الهمس قادماً من الداخل، ليس من خلف الجدار، بل من صميم الحجر نفسه. قرر في الصباح التالي أن يفحص المخططات الهندسية للمبنى،
واكتشف المفاجأة: الغرفة التي ينام فيها لها أربعة جدران من الخارج، ولكن من الداخل لا يوجد سوى ثلاثة. هناك مساحة مفقودة، "غرفة عمياء" مغلقة تماماً بالإسمنت، لا باب لها ولا نافذة.بفعل الفضول الذي يسبق الندم، أحضر سليم مطرقة وبدأ في هدم جزء من الحائط الثالث. مع كل ضربة، كان الهمس يتحول إلى بكاء مكتوم. وعندما سقطت أول قطعة رخام، انبعثت رائحة عفن قديم، رائحة شيء لم يرَ الشمس منذ عقود. وسّع الفتحة حتى استطاع إدخال كشاف ضوئي. ما رآه جعله يتراجع صامتاً من الرعب: كانت الغرفة مليئة بالمرايا المكسورة التي تغطي الجدران، وفي المنتصف، كرسي خشبي يجلس عليه هيكل عظمي يرتدي ملابس زفاف مهترئة، وأمامه آلة كاتبة قديمة تشبه آلة سليم تماماً.لكن الرعب الحقيقي لم يكن في الجثة، بل في الورقة الموضوعة في الآلة الكاتبة. اقترب سليم بخطوات مهتزة وقرأ السطور الأخيرة: "الآن هو يقرأ هذه الكلمات.
. سليم سيمسك المطرقة.. سليم سيفتح الحائط ويخرجني، ليأخذ هو مكاني". صرخت الغرفة فجأة بصوت عالٍ، وانطفأت الأضواء في الشقة بأكملها. شعر سليم ببرد قارس خلف رقبته، ويد عظمية باردة تلمس كتفه. حاول الركض نحو الباب، لكن الجدار الذي هدمه بدأ ينبت من جديد، الإسمنت ينمو كأنه كائن حي يغلق الفتحة بسرعة مذهلة.في الصباح، مر الحارس العجوز من أمام الشقة
، سمع صوت آلة كاتبة تنقر بسرعة خلف الأبواب المغلقة. ابتسم بمرارة وأخرج مفاتيح الشقة ليعرضها على ساكن جديد، بينما كان سليم، داخل الحائط الثالث، يبدأ في كتابة قصته الخاصة على ورق لن يقرأه أحد. ومع كل دقيقة تمر، كان يشعر بجلده