آخر راكب في القطار رقم 13

آخر راكب في القطار رقم 13
كان المطر يهطل بغزارة عندما وصل آدم إلى محطة القطار القديمة. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة وخمسًا وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل، والمحطة خالية تمامًا، إلا من رجل عجوز يجلس على مقعد خشبي متهالك.
اقترب آدم منه وسأله: “هل يوجد قطار إلى المدينة؟”
رفع العجوز رأسه ببطء، ونظر إليه بعينين شاحبتين وقال بصوت متقطع: “إن وصل القطار رقم 13... فلا تصعد إليه.”
ابتسم آدم ساخرًا، وظن أن الرجل يهذي بسبب كبر سنه.
بعد دقائق، سمع صوت صفارة طويلة شقت سكون الليل، ثم ظهر قطار أسود اللون يخرج من بين الضباب. لم يكن يحمل أي شعار، وكانت نوافذه معتمة.
فتح الباب تلقائيًا، فصعد آدم دون تردد.
في الداخل كان كل شيء غريبًا. المقاعد قديمة، والهواء بارد بصورة غير طبيعية، والركاب يجلسون في صمت تام، وجوههم شاحبة وكأنها فقدت الحياة منذ سنوات.
حاول آدم أن يتجاهل الأمر، وأخرج هاتفه، لكنه فوجئ بأن الشبكة اختفت تمامًا، ثم انطفأت الشاشة رغم أن البطارية كانت ممتلئة.
تحرك القطار ببطء، لكنه لم يصدر أي صوت.
مرّت عشر دقائق... ثم عشرون... ولم تظهر أي محطة.
أخيرًا توقف القطار.
نظر آدم من النافذة، فوجد لافتة مكتوبًا عليها:
“محطة الندم.”
لم ينزل أحد، ولم يصعد أحد.
ثم أغلق الباب وتحرك القطار من جديد.
بعد فترة توقف مرة أخرى.
كانت اللافتة هذه المرة تحمل اسم:
“محطة الصمت.”
لاحظ آدم أن امرأة تجلس أمامه كانت تحدق إليه منذ البداية دون أن ترمش.
حاول أن يتجنب النظر إليها، لكنه سمعها تهمس:
“كم بقي لك؟”
ارتبك وسألها: “ماذا تقصدين؟”
ابتسمت ابتسامة واسعة كشفت عن أسنان سوداء، ثم قالت: “قبل أن تصبح مثلنا.”
في تلك اللحظة انطفأت الأنوار.
ساد الظلام لثوانٍ معدودة.
وعندما عادت الإضاءة…
اختفت المرأة.
لكن المقعد الذي كانت تجلس عليه أصبح فارغًا، بينما شعر آدم بأن أحدًا يجلس خلفه مباشرة.
التفت بسرعة…
لم يكن هناك أحد.
إلا أن أنفاسًا باردة لامست رقبته.
قفز من مكانه واتجه نحو باب العربة، لكنه لم يفتح مهما حاول.
بدأ الركاب جميعًا يرفعون رؤوسهم في الوقت نفسه.
كانت أعينهم سوداء بالكامل.
ثم تكلموا بصوت واحد:
“لقد جاء دوره.”
بدأت الأنوار تومض بسرعة، ومع كل ومضة كان الركاب يقتربون خطوة.
صرخ آدم بأعلى صوته، وركض نحو العربة التالية.
فتح الباب أخيرًا، لكنه تجمد في مكانه.
لم تكن هناك عربة أخرى…
بل ممر طويل لا نهاية له، وعلى جانبيه أبواب حديدية يخرج من خلفها صراخ مكتوم.
ركض بلا هدف.
كلما فتح بابًا وجد خلفه شخصًا يشبهه تمامًا، لكن بملابس ممزقة ووجه مليء بالخدوش، يردد بصوت خافت:
“عد... قبل أن يتذكرك القطار.”
أغلق الأبواب واحدًا تلو الآخر، حتى وصل إلى آخر باب.
عندما فتحه…
وجد نفسه واقفًا من جديد أمام باب القطار الأول، وكأن كل ما ركضه لم يكن سوى دائرة مغلقة.
فجأة توقف القطار للمرة الأخيرة.
ظهرت لافتة صدئة كتب عليها:
“المحطة الأخيرة... لا عودة.”
فُتحت الأبواب ببطء.
وقف جميع الركاب في صمت، ثم أشاروا إلى آدم كي ينزل.
رفض، وتراجع إلى الخلف.
لكن الأيدي الباردة أمسكت به من كل اتجاه.
صرخ بكل ما يملك من قوة…
ثم استيقظ فجأة على مقعد في محطة القطار القديمة.
كانت الشمس قد أشرقت.
ظن أن كل ما حدث مجرد كابوس.
نهض وهو يلهث، ثم لمح صحيفة ملقاة على الأرض.
على الصفحة الأولى صورة قديمة تعود إلى خمسين عامًا، يظهر فيها قطار خرج عن مساره واحترق بالكامل.
وتحت الصورة عنوان صغير:
“لم ينجُ أي راكب من القطار رقم 13.”
تجمد الدم في عروقه عندما رأى آخر سطر في الخبر:
“ولا يزال الركاب يظهرون كل ليلة... بحثًا عن الراكب التالي.”
وفي اللحظة نفسها، سمع خلفه صفارة قطار طويلة…
وحين التفت…
لم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض، بجوار قدميه، كانت توجد تذكرة سوداء كُتب عليها بخط أحمر:
“المقعد رقم 13... محجوز باسم: آدم.”