الصمت الذي يبتلع الأرواح
الفصل الأول: الساعة الثالثة والنصف

لم يكن الصوت هو أول ما أيقظه…
بل الصمت.
فتح كريم عينيه ببطء، وهو يشعر بأن شيئًا غير طبيعي يضغط على صدره. مد يده إلى هاتفه فوق الكومودينو، فأنار ضوء الشاشة الغرفة للحظة.
03:30 صباحًا.
في نفس اللحظة... انطفأت الشاشة وحدها.
ظل مستلقيًا ينظر إلى السقف. كان هناك شيء خاطئ.
ليست المشكلة في الظلام…
بل في أن العالم كله اختفى.
لم يكن يسمع هدير السيارات القادمة من الشارع، ولا صوت كلب ينبح، ولا حتى طنين الثلاجة الذي اعتاد عليه في كل بيت سكنه.
حتى أنفاسه بدت مكتومة، وكأن الغرفة تبتلع كل صوت يخرج منها.
رفع يده أمام وجهه وصفق مرة واحدة.
لم يسمع شيئًا.
اتسعت عيناه.
كررها بعنف أكبر.
لا شيء.
كأن الهواء نفسه أصبح قطعة قماش سميكة تبتلع الضوضاء قبل أن تولد.
حاول أن يتكلم.
“فيه حد...؟”
رأى شفتيه تتحركان…
لكنه لم يسمع صوته.
بدأ قلبه يخفق بسرعة.
وفجأة…
...تك…
صوت خافت جدًا.
جاء من آخر الممر.
ثم عاد الصمت.
جلس على السرير وهو يحاول إقناع نفسه بأنها مجرد هلوسة بسبب الإرهاق. فقد انتقل إلى هذه الشقة قبل ثلاثة أيام فقط، بعد أن ورثها عن جدته التي لم يعرف عنها الكثير سوى أنها كانت ترفض مغادرة هذا المكان حتى وفاتها.
كان الجميع يقول إن البيت قديم…
لكن لا أحد تحدث عن هذا الصمت.
أمسك بمصباح هاتفه، وخرج إلى الممر.
كان الضوء ضعيفًا، لكنه كشف جدرانًا مغطاة بورق حائط باهت، تشققت أطرافه بفعل الزمن.
خطا خطوة.
ثم ثانية.
ثم توقف.
كان يشعر أن أحدًا يقف في نهاية الممر.
لم ير أحدًا.
لكن إحساسًا ثقيلًا أخبره أنه ليس وحده.
سلط الضوء نحو آخر الممر.
لا شيء.
ابتسم بسخرية من نفسه.
“أكيد بسبب قلة النوم.”
استدار ليعود إلى غرفته…
ثم تجمد.
باب الغرفة المغلقة…
كان مفتوحًا.
تراجع خطوة.
هو متأكد…
بل يقسم…
أنه أغلقه بنفسه قبل النوم.
ظل ينظر إليه.
فتحة سوداء.
هادئة.
لا يصدر منها أي صوت.
كأنها لا تؤدي إلى غرفة…
بل إلى مكان لا يجب أن يوجد داخل أي منزل.
اقترب ببطء شديد.
كان قلبه ينبض بقوة حتى شعر أنه سيفضح مكانه.
وصل إلى الباب.
مد يده.
ودفعه قليلًا.
أصدر الباب صريرًا طويلًا، كأنه لم يُفتح منذ سنوات.
سلط الضوء إلى الداخل.
صناديق خشبية قديمة.
كرسي مكسور.
خزانة نصف مفتوحة.
ومرآة كبيرة يغطيها قماش أبيض مترب.
تنفس كريم براحة.
“كل ده بسبب خيالي.”
همَّ أن يغلق الباب…
لكن عينه وقعت على شيء.
القماش…
تحرك.
ببطء شديد.
وكأن أحدًا خلفه قد مرر أصابعه من الداخل.
ارتجف جسده كله.
ثبت الضوء على المرآة.
القماش توقف.
ظل ساكنًا.
ظل ينظر إليه دقيقة كاملة.
ثم أغلق الباب بعنف، وعاد إلى غرفته وهو يقنع نفسه أن الهواء هو السبب.
لكنه حين أغلق باب غرفته…
سمع أول صوت حقيقي منذ استيقظ.
ثلاث طرقات.
دق…
دق…
دق…
جاءت من الجهة الأخرى من الباب.
وقف مكانه.
لم يتحرك.
ثم جاء صوت خافت للغاية.
كأنه شخص يهمس وشفته ملاصقة للخشب.
“كريم...”
تجمد الدم في عروقه.
رفع يده المرتعشة نحو المقبض…
لكنه لم يجرؤ على فتح الباب.
ظل الهمس يتكرر.
أهدأ.
وأقرب.
“كريم...”
“افتح...”
“أنا... في الخارج.”
لم ينم كريم حتى طلوع الشمس.
وعندما أشرقت أول خيوط الضوء، فتح باب غرفته بسرعة.
الممر كان فارغًا.
وباب الغرفة المغلقة…
كان مقفلًا كما لو أنه لم يُفتح طوال الليل.
حاول أن يضحك على نفسه.
لكنه توقف عندما نظر إلى الأرض.
كانت هناك آثار أقدام مغبرة…
تبدأ من أمام باب الغرفة المغلقة…
وتنتهي…
أمام باب غرفة نومه.
ولا يوجد أي أثر يدل على أن صاحبها عاد أدراجه.
وفي تلك اللحظة، رن هاتف كريم.
كان المتصل والده.
رد بسرعة.
فجاءه صوت والده متوترًا على غير عادته:
“يا كريم... قولّي الحقيقة... إنت فتحت الأوضة المقفولة؟”
شعر كريم بأن يده أصبحت باردة.
سأل بصوت مرتجف:
“إنت عرفت منين؟”
ساد صمت طويل…
ثم قال والده جملة واحدة، قبل أن يُغلق الخط فجأة:
“لو القماش اتحرك... متبصش في المرآة مهما حصل.”
نهاية الفصل الأول.