ما تخفيه الأعماق
الفصل صفر:
البداية
في أقصى شمال البحر الأبيض المتوسط، وعلى بعد أميال قليلة من سواحل الإسكندرية...
في جزيرة تبدو كأنها قطعة منسية من العالم،
لا ميناء.
لا أكواخ للصيادين.
ولا حتى أثر يدل على أن إنسانًا وطئت قدماه ذلك المكان منذ سنوات طويلة.
حتى إن الصيادين القدامى كانوا يتجنبون الاقتراب منها، ويكتفون بالنظر إليها من بعيد قبل أن يغيّروا اتجاه قواربهم.
لكن الطمع لا يعترف بالخرافات.
وقف خمسة رجال، يمتهنون الصيد الجائر بعيدًا عن أعين السلطات. داخل مركب صيد خشبي صغير،لم يكن يهمهم قانون ولا بيئة بحرية،.
وكل ما يشغلهم هو العودة بأكبر كمية ممكنة من الأسماك.
أطفأ أحد الرجال سيجارته وهو يقف داخل المركب وهي تقترب من الجزيرة، ثم قال بصوت خافت: هنا… هنا هنشتغل.
نظر إليه رفيقه بتردد: متأكد؟ الناس كلها بتقول المنطقة دي ملعونة.
ابتسم الأول بسخرية: ملعونة إيه بس؟ دي منطقة ما حدش بيصطاد فيها،يعني السمك فيها هيبقى بالهبل.
ثم فتح أحدهم صندوقًا حديديًا صغيرًا، وأخرج منه عدة أسطوانات ملفوفة بعناية.
نظر إليه أصغرهم بقلق قائلا: إحنا هنستخدم متفجرات تاني؟
رد الرجل ببرود: تفجيرين صغيرين... والسمك كله هيطلع على وش الميه،هنخلص شغلنا في عشر دقايق ونمشي.
ساد الصمت.
ثم أُلقيت أول عبوة في الماء.
بعد ثوانٍ… دوّى انفجار مكتوم في الأعماق، اهتزت معه صفحة البحر اهتزازًا خفيفًا.
طفا عدد كبير من الأسماك على السطح.
ابتسم الرجال في رضا.
لكن قائد المركب لم يكتفِ.
قال وهو يشير إلى نقطة أبعد قليلًا:
- واحدة كمان. ونخليها علي عمق أكبر المره دي.
أُلقيت العبوة الثانية.
ومرة أخرى...
اهتز البحر.
إلا أن الانفجار هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن مجرد موجة ارتجاج عابرة.
بل تبعته رعشة عميقة، كأن شيئًا هائلًا تحرك في قاع البحر.
تبادل الرجال النظرات بقلق.
ثم عاد كل شيء إلى السكون.
ابتسم أحدهم بتوتر وقال: شكلي اتخضيت على الفاضي.
وفجأة...
ارتفع من الأعماق تيار كثيف من الفقاعات، واستمر في الصعود لعدة ثوانٍ، ثم اختفى كما ظهر.
حدق الرجال في الماء. لم يروا شيئًا…ولم يسمعوا شيئًا.
فقط...
كان هناك شق هائل قد انفتح في جدار كهف صخري غارق منذ زمن لا يعرفه أحد.
ومن داخل ذلك الظلام السحيق...
انفتحت عينان ببطء.
عينان لم تسقط عليهما أشعة الشمس منذ سنوات طويلة.
ثم…
تحرك شيءٌ عملاق لأول مرة.
وفي هدوءٍ تام...
بدأ يصعد نحو السطح.
لم يشعر الرجال بشيء.
ولم يعلموا أنهم، في لحظة طمع…
أطلقوا العنان لكابوس سيبتلع حياة الكثيرين
لم يعلم أحد منهم أن البحر لم يعد كما كان...
وأن ما خرج من أعماقه لن يعود إليها إلا بعد أن يرتوي.
“ فالكابوس لم يبدأ بعد … وما ظنه الرجال النهاية كان مجرد البداية”

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق