ما تخفيه الأعماق ج٢
الفصل الأول
اليقظة
هناك قاعدة يعرفها كل بحّارٍ عجوز في الإسكندرية...
إذا رأيت البحر هادئًا أكثر مما ينبغي عند الغروب... فلا تقترب منه.
لأن الهدوء في بعض الأحيان...
ليس سلامًا.
بل انتظارًا.
لم يكن أحد يعرف على وجه اليقين متى وُلدت تلك القاعدة،
ولا من كان أول من نطق بها.
كان الصيادون القدامى يتناقلونها همسًا، كما تُتداول الأسرار التي يخشى أصحابها أن تُسمع بصوت مرتفع.
كان بعضهم يقسم أنه رأى رجالًا اختفوا بين الأمواج دون أن يطلقوا صرخة واحدة…
بينما كان آخرون يضحكون ساخرين، ويعتبرونها مجرد خرافات يرويها العجائز في ليالي الشتاء الطويلة.
أما البحر...
فلم يكن ينفي شيئًا.
ولم يكن يؤكد شيئًا.
كان يبتلع أسراره بصمت، ثم يعود في اليوم التالي هادئًا كأنه لم يفعل شيئًا.
في ذلك المساء، كانت الإسكندرية ترتدي أجمل ثيابها.
الشمس تستعد للغروب ببطء، ترسم على صفحة البحر خطوطًا ذهبية امتزجت بدرجات البرتقالي والأحمر، حتى بدا الأفق وكأنه لوحة رسمها فنان لا يعرف التكرار.
النسيم البحري يحمل رائحة الملح، وصوت النوارس يعلو حينًا ويختفي حينًا آخر، بينما كانت الأمواج الصغيرة تتقدم نحو الرمال في هدوء، ثم تتراجع برفق، كأنها تتنفس.
جلس شاب في العشرين من عمره على الشاطئ، يراقب المشهد بعينين مليئتين بالأحلام.
كان اسمه ياسين.
ملامحه هادئة، وبشرته اكتسبت سمرة خفيفة من شمس الصيف، بينما كانت قدماه مغمورتين بالماء، يترك للأمواج حرية ملامستهما كلما اقتربت.
لم يكن يرى البحر مجرد ماء.
كان يراه عالمًا كاملًا.
وعلى مسافة ليست بعيدة، جلست والدته تراقبه بين الحين والآخر، بينما كان شقيقاه الصغيران يركضان فوق الرمال، يتنافسان في مطاردة الأمواج والضحكات تملأ المكان.
ظل ياسين صامتًا لدقائق طويلة، ثم قال فجأة دون أن يرفع عينيه عن الأفق:
- أتعلمين يا أمي... أتمنى عندما أكبر أن أصبح قبطانًا.
ابتسمت الأم وهي تتابع حركة طفليها: ولماذا قبطان تحديدًا؟
أجاب وهو يشير إلى البحر الممتد أمامه:
- لأنني أريد أن أعرف ماذا يوجد خلف هذا الأفق... أشعر أن البحر يخفي شيئًا لا يراه معظم الناس. أريد أن أجوب كل البحار، وأن أقود سفينة ضخمة لا تخاف العواصف.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وأضاف: تخيلي... رجل واحد يستطيع أن يوجّه سفينة عملاقة وسط كل هذه المياه.
نظرت إليه أمه بحنان وقالت: البحر لا يطيع أحدًا يا ياسين .
ابتسم بثقة الشباب التي لم تعرف بعد معنى الهزيمة: ربما... لكنه يطيع القبطان الجيد.
ضحكت الأم وقالت وهي ترفع يديها إلى السماء: أسأل الله أن يحقق لك كل أمنياتك يا بني.
في تلك اللحظة، انطلق الطفلان يركضان خلف بعضهما، حتى ابتعدا عدة أمتار.
نهضت الأم بسرعة وهي تنادي:
- ابتعدا عن الماء... لقد بدأ الظلام يقترب.
توقف الصغيران، ثم عادا يركضان نحوها وهما يضحكان.
ابتسمت لهما، ثم التفتت نحو ياسين لتدعوه إلى الرحيل.
لكن...
اختفت ابتسامتها فجأة.
وظلّت تحدق في المكان الذي كان يجلس فيه قبل ثوانٍ.
رمشت بعينيها مرة...
ثم مرتين...
وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.
المكان...
فارغ.
لم يكن هناك أحد.
لا ياسين.
ولا حتى أثر لخطواته وهو يبتعد.
تسارعت أنفاسها، وبدأت تنظر حولها بجنون.
- ياسين!
لم يجبها أحد.
صرخت مرة أخرى، وهذه المرة بصوت مرتجف:
- ياسين!
التفت بعض الموجودين على الشاطئ نحوها، لكن الشاب لم يظهر.
ركضت يمينًا.
ثم يسارًا.
وقلبها يخفق بعنف حتى شعرت أنه سيفلت من بين ضلوعها.
كان البحر لا يزال هادئًا...
هادئًا على نحو مخيف.
ثم وقعت عيناها على شيء غريب.
آثار طويلة محفورة فوق الرمال، تبدأ من المكان الذي كان يجلس فيه ابنها، وتمتد في خط مستقيم نحو الماء.
وكأن شيئًا...
أو أحدًا...
قد تم جره فوق الرمال دون أن يترك له فرصة للمقاومة.
توقفت الأم عند آخر أثر، ورفعت رأسها ببطء نحو البحر.
كانت الأمواج تتحرك كما كانت دائمًا.
لا دماء.
لا صراخ.
لا شاهد واحد.
فقط ذلك السكون المريب...
وضعت يدها على صدرها وهي تهمس بصوت اختلط فيه الرجاء بالرعب: يا رب...
ثم تحولت الهمسة إلى صرخة مزقت سكون الشاطئ كله: ابني... أين ابني؟!
وفي تلك اللحظة...
كان البحر قد ابتلع أول أسراره.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق