ما تخفيه الأعماق ج3
الفصل الثاني
الجثة
"الموت يترك أثرًا دائمًا... حتى عندما يحاول إخفاء الحقيقة."
لم ينم شاطئ الإسكندرية تلك الليلة.
فمنذ اللحظة التي دوى فيها صراخ والدة ياسين، تحولت الرمال الهادئة إلى مسرحٍ للفوضى. أضواء سيارات الشرطة والإسعاف مزقت ظلام المكان، بينما راحت كشافات الإنقاذ تمشط سطح البحر في حركة لا تهدأ، كأنها تأبى الاعتراف بأن الأمل يتضاءل مع مرور الوقت.
وقف الناس في مجموعات صغيرة، يتبادلون النظرات والهمسات. كل واحد يروي ما رآه، لكن لم يكن بين عشرات الشهود من رأى لحظة اختفاء الشاب.
وكأن البحر...
ابتلعه في غمضة عين.
مرت ساعة...
ثم أخرى...
ثم ثالثة...
وبدأت ملامح اليأس ترتسم على وجوه رجال الإنقاذ.
وقبل اقتراب منتصف الليل بقليل، ارتفع صوت أحد البحارة من فوق أحد القوارب:
- لقيناه!
وبعد قليل عاد القارب الي الشاطئ ومعه الشاب او بالأحري جثة الشاب
وما ان وقعت عينا امه عليه حتي انهارت.
بينما اسرع رجال الاسعاف بنقله إلي المستشفى
لكن أحدا لم يعرف مالذي حدث له...
ما الذي حدث...؟!
في صباح اليوم التالي...
كان الدكتور مدحت السيوفي يجلس داخل مكتبه في مشرحة الإسكندرية، يحتسي آخر رشفة من كوب الشاي الذي برد منذ دقائق.
دكتور تشريح في الخامسة والثلاثين من عمره، عرف بين زملائه بهدوئه الشديد ودقته في العمل. وكان يقول دائمًا:
"الجثة لا تكذب... لكنها لا تتكلم إلا لمن يعرف كيف ينصت إليها."
أغلق المجلة التي كان يقلب صفحاتها في ملل، ثم ألقى نظرة سريعة إلى ساعته.
ساد المكان هدوء لم يقطعه سوى صوت طرقات خفيفة على الباب.
- اتفضل.
دخل مساعده مسرعًا، وقد بدت على وجهه علامات التوتر:
- صباح الخير يا دكتور.
ابتسم مدحت ابتسامة خفيفة.
- صباح النور... خير؟
تردد المساعد لحظة، ثم قال:
- في جثة جديدة وصلت من شوية... والنيابة طالبة تشريحها.
تنهد مدحت وهو ينهض من مقعده.
- ربنا يستر... الأيام دي بقت غريبة. كل يوم جثة. إيه القضية دي؟ حادث ولا قتل؟
هز المساعد رأسه نافيًا.
- لا... غريق.
توقف مدحت في مكانه، وعقد حاجبيه في دهشة:
- غريق؟! ومن إمتى النيابة بتطلب تشريح كل غريق؟
أجاب المساعد:
معرفش... لكن في حد مستني حضرتك بره.
مين؟
الرائد أيمن الشاذلي.
تغيرت ملامح مدحت قليلًا، ثم ابتسم.
يبقى أكيد الموضوع مش عادي.
أخذ معطفه الأبيض وخرج من المكتب.
وما إن وقع بصره على الرائد أيمن حتى فتح ذراعيه مبتسمًا.
- أهلًا بالرائد الهمام... قاهر الإجرام!
ضحك أيمن وهو يصافحه بقوة.
في حين قال مدحت:
- لسه بتجيب لي قضايا غريبة...
اختفت الابتسامة سريعًا من وجه أيمن.
وقال بصوت منخفض:
- تعال معايا الأول...وشوف الجثة وساعتها... هتعرف ليه أنا هنا.
نظر مدحت إلى صديقه للحظات.
ثم أدرك من ملامحه أن الأمر أخطر مما تخيل.
فسار بجواره في صمت...متجهين إلى غرفة التشريح.
ولم يكن أيٌ منهما يعلم أن تلك الجثة ستكون بداية أكثر القضايا رعبًا في حياتهما.
كان المكان هادئًا على نحو اعتاده الطبيب منذ سنوات، لكن صمت أيمن هذه المرة كان مختلفًا.
التفت إليه مدحت قائلًا:
- من إمتى وأنت بتسكت بالشكل ده؟ عادةً بتكون حكيت لي القضية كلها قبل ما نوصل.
لم يبتسم أيمن.
بل ظل ينظر أمامه وهو يجيب:
- لما تشوفها بنفسك هتفهم.
رفع مدحت حاجبه في دهشة، لكنه لم يعلق.
وبعد لحظات توقفا أمام باب معدني ثقيل.
دفعه أيمن ببطء.
فانفتح الباب كاشفًا عن غرفة التشريح الباردة.
في منتصف الغرفة كانت توجد طاولة معدنية تعلوها جثة مغطاة بملاءة بيضاء.
لا شيء غريبًا في المشهد.
فهذا المشهد يراه مدحت كل يوم تقريبًا.
لكن الغريب كان نظرات أيمن.
كان يقف بجوار الطاولة وكأنه ينتظر رد فعل معينًا.
اقترب مدحت ببطء.
ثم نظر إلى أيمن وقال:
- أنت بدأت تقلقني فعلًا.
رد أيمن بهدوء:
ارفع الغطاء
مد الطبيب يده وأمسك بطرف الملاءة.
ثم سحبها إلى الخلف.
وفي اللحظة التالية...
تجمدت حركته.
لم ينطق بكلمة.
واكتفى بالنظر إلى الجثة.
مرت ثانية.
ثم ثانية أخرى.
وأخيرًا خرج صوته منخفضًا:
- مستحيل...
اقترب أيمن خطوة قائلا:
- إيه اللي مستحيل؟
ظل مدحت محدقًا في وجه الشاب.
كان الجلد شاحبًا بصورة غير طبيعية.
ليس شحوب الغرقى الذي اعتاد رؤيته.
ولا شحوب المرضى.
بل شيء آخر.
شيء جعله يشعر بعدم الارتياح فورًا.
أمسك يد الجثة وقلبها بين أصابعه.
ثم ضغط برفق على جلد الذراع.
وأعاد النظر إلى الوجه مرة أخرى.
- يا إلهي...
قالها هذه المرة بصوت أوضح.
- حصل إيه للشاب ده؟
اقترب أيمن أكثر وسأله:
- شايف إيه؟
رفع مدحت رأسه ببطء
وقال: كأنه...
ثم توقف.
- كأنه إيه؟
- كأنه فقد كمية هائلة من الدم.
عقد أيمن ذراعيه أمام صدره:
- وأنا أول ما شفته حسيت بنفس الإحساس.
أعاد مدحت النظر إلى الجثة.
ثم قال: لا... مش مجرد إحساس
ده شبه مؤكد.
سادت لحظة صمت قصيرة.
قبل أن يتكلم أيمن:
أشار إلى الجثة وهو يكمل:
الشاب ده اسمه ياسين. كان قاعد على الشاطئ مع والدته وأخواته. الأم بتقول إنها بعدت عنه ثواني قليلة، ولما بصت له تاني اختفى تمامًا.
رفع مدحت عينيه عن الجثة.
- اختفى؟
- أيوه.
- يعني قام ومشي؟
- لا.
- حد شافه؟
- لا
- ساب أي أثر؟
تنهد أيمن وقال:
لقينا آثار على الرمال كأن حاجة اتسحبت ناحية البحر.
شعر مدحت بقشعريرة خفيفة مرت في جسده.
لكنه حاول تجاهلها.وقال:
وبعدها؟
- بعد حوالي أربع ساعات لقيناه طافي فوق سطح الميه.
ظل الطبيب صامتًا. ثم قال:
- غريبة. والغريب أكتر إن مافيش أي إصابات واضحة.
- هز أيمن رأسه موافقًا. ثم قال:
- ودي مش أول مرة.
رفع مدحت رأسه فجأة قائلا:
- تقصد إيه؟
نظر أيمن إلى الجثة للحظة.ثم قال:
- من ثلاثة أيام جالنا بلاغ مشابه جدًا.
جلس مدحت على أقرب مقعد وهو يصغي باهتمام.
وأخذ أيمن يحكي:
- زوج شاب كان خارج رحلة بحرية مع مراته. كانت قاعدة بتتكلم معاه وهو قاعد على حافة المركب ومنزل رجليه في الميه. لفت عنه ثواني... ولما بصت تاني اختفى.
اتسعت عينا مدحت.
- اختفى بنفس الطريقة؟
- تقريبًا.
- وبعدين؟
- دورت عليه هي وأصحاب المركب. وبعد ساعات من البحث لقوا جثته.
سكت أيمن لحظة.
ثم نظر مباشرة إلى مدحت وقال:
- وخمن شكل الجثة كان عامل إزاي.
خلع الطبيب نظارته و اتسعت عيناه وهو يحدق في وجه الرائد ايمن ويقول:
- ما فيهاش ولا نقطه دم واحده.
اشار ايمن ناحيه الطبيب بصباع السبابه في حركه حاده وهو بيقول:
- تمام.....كده بالظبط .
ابتسم مدحت بسخريه وهو بيقول:
- هو ايه ده؟ احنا قدام مصاص دماء من نوع ما ولا ايه؟
بادله ايمن السخريه وهو بيقول:
- مصاص الدماء ده مجرد خيال مؤلفين وسينمائيين مش اكثر لكن اللي احنا قدامه هنا ده شيء حقيقي.
قال مدحت:
- قل لي لقيتوا ايه بعد تشريح جثه الزوج ده .
رد ايمن:
- ولا حاجه الزوجه رفضت التشريح وبالتالي ما حدش انتبه لحاجه.
أخذ مدحت ينظر بين الجثة وصديقه.ثم قال:
- وتقولي دي مجرد مصادفة؟
- لو كانت مصادفة... تبقى أبشع مصادفة شفتها في حياتي.
نهض مدحت من مقعده واتجه نحو الطاولة المعدنية مرة أخرى.
ثم سحب القفازات الطبية وبدأ يرتديها.
لاحظ أيمن ذلك فقال:
- هتبدأ دلوقتي؟
رد الطبيب دون أن يرفع رأسه:
- من هذه اللحظة.
متوقع تلاقي إيه؟
ثبت مدحت آخر قفاز في يده. ثم نظر إلى الجثة نظرة طويلة. وقال:
- معرفش.
وسكت لحظة قبل أن يكمل:
لكن عندي إحساس إن الشاب ده لسه ما قالش كلمته الأخيرة.
وأنا لازم أسمعها.

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق