الطفل الذي لا ينام... والبيت الذي يخفي سراً مرعباً الفصل الثالث
الطفل الذي لا ينام
الفصل الثالث: الحقيقة القديمة

انطفأت أنوار البيت دفعة واحدة.
غرق الممر في ظلام دامس، ولم يعد آدم وسارة يرَيان سوى ملامح ياسين الباهتة في نهاية السلم.
ثم…
صدر صوت ضربة قوية من خلف الباب الخشبي.
دوم!
انتفضت سارة.
أمسك آدم بيدها.
— انزلي ورايا.
لكن ياسين لم يتحرك.
كان واقفًا في مكانه، ينظر إلى الباب وكأنه يعرف بالضبط ما سيحدث.
ضربة ثانية.
دوم!
ثم ثالثة.
دوم!
بدأت شقوق صغيرة تظهر في الخشب.
قال ياسين بصوت مرتجف:
— هو هيخرج.
اقترب منه آدم.
— مين؟
رفع الطفل عينيه إليه.
— أخويا.
تجمد آدم.
— أخوك؟
هز ياسين رأسه.
— أيوه.
قالت سارة:
— بس أنت قلت إنك يتيم.
نظر إليها ياسين طويلًا.
— أنا قلت لكم اللي هم قالوهولي.
— مين؟
— الناس اللي خدوني.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال آدم:
— هنخرج من البيت دلوقتي.
أمسك بيد سارة، ثم مد يده إلى ياسين.
لكن الطفل لم يتحرك.
— مش هنقدر.
— ليه؟
— الباب مش هيسمح لنا.
في اللحظة نفسها، انفتح باب المنزل الرئيسي من تلقاء نفسه.
صرير طويل.
نظر الثلاثة إليه.
كان الباب مفتوحًا على الحديقة المظلمة.
قال آدم:
— أهو الطريق مفتوح.
لكن ياسين هز رأسه.
— دي مش الحديقة.
نظر آدم إليه بغضب.
— أمال إيه؟
أشار ياسين إلى الخارج.
— بص.
اقترب آدم من الباب.
توقف.
كان من المفترض أن يرى الحديقة الأمامية.
لكنه رأى شيئًا آخر.
ممرًا طويلًا مظلمًا، وعلى جانبيه أشجار ضخمة لم تكن موجودة في حديقة البيت.
وفي نهاية الممر…
كان هناك راجل يقف بلا حركة.
طويل جدًا.
نحيف جدًا.
ولا يمكن رؤية وجهه.
أغلق آدم الباب بسرعة.
قالت سارة وهي تبكي:
— إحنا لازم نخرج من هنا.
رد ياسين:
— هو مش عايزكم تخرجوا.
ثم أضاف:
— هو عايزني أنا.
فجأة عاد التيار الكهربائي.
أضاءت الأنوار.
لكن الراجل لم يعد خلف الباب.
قال آدم:
— هنروح الشرطة.
أمسك ياسين بيده.
— الشرطة مش هتقدر تساعدنا.
— إزاي؟
— لأنهم حاولوا قبل كده.
توقف آدم.
— مين؟
— الشرطة.
ثم نظر ياسين إلى سارة.
— في ناس كتير حاولوا يخرجوني من البيت ده.
— أي بيت؟
— البيت اللي كنت فيه قبل دار الأيتام.
سألته سارة:
— وإيه علاقته بالبيت ده؟
لم يجب.
صعد إلى غرفته.
ثم عاد بعد دقائق وهو يحمل حقيبته السوداء القديمة.
وضعها على الطاولة وفتحها.
لم يكن بداخلها ملابس كثيرة.
كان هناك دفتر صغير، وصورة قديمة، ومفتاح صدئ.
أخرج الصورة.
مدها إلى سارة.
نظرت إليها.
كانت صورة لعائلة تقف أمام نفس المنزل.
راجل…
امرأة…
وطفلان صغيران.
أحد الطفلين كان ياسين.
أما الطفل الآخر…
فكان يقف بجواره.
لكن وجهه كان مخدوشًا بعنف حتى أصبح من المستحيل معرفة ملامحه.
قالت سارة:
— مين ده؟
أجاب ياسين:
— أخويا.
— اسمه إيه؟
صمت الطفل.
ثم قال:
— سليم.
شعر آدم بقشعريرة.
— فين سليم دلوقتي؟
نظر ياسين إلى الباب الخشبي في أعلى السلم.
— جوه.
قال آدم:
— جوه إيه؟
— جوه البيت.
اقتربت سارة من ياسين.
— البيت ده كان بيتكم؟
هز رأسه.
— أيوه.
— يعني إنت عشت هنا قبل كده؟
— أيوه.
— إمتى؟
أجاب:
— وأنا عندي خمس سنين.
نظرت سارة إلى آدم.
— بس صاحب البيت قال إن المكان كان مقفول من سنين.
قال ياسين:
— لأنه كدب.
جلس آدم أمام الطفل.
— احكيلي كل حاجة.
ظل ياسين صامتًا للحظات.
ثم بدأ يتحدث.
— كان عندي أخ اسمه سليم. كان أكبر مني بسنتين. كنا بنلعب كل يوم في البيت ده.
— وبعدين؟
— في ليلة…
توقف.
بدأت يده ترتجف.
— سمعنا حد بينادي علينا من الأوضة.
سألته سارة:
— أنهي أوضة؟
رفع ياسين إصبعه.
وأشار إلى الباب الخشبي.
— دي.
تابع:
— سليم قاللي إن باب الأوضة كان مفتوح قبل كده.
— ودخل؟
هز رأسه.
— أيوه.
— وإنت؟
— دخلت وراه.
سكت ياسين.
كانت عيناه ممتلئتين بالدموع.
— كان فيه راجل واقف في آخر الأوضة.
قال آدم:
— شوفته؟
— أيوه.
— شكله كان إيه؟
هز ياسين رأسه.
— مكنش ليه وش.
ساد الصمت.
— وبعدها؟
قال ياسين:
— سليم جري عليه.
صرخت سارة:
— ليه؟!
— لأنه كان بيسمع صوته من زمان.
— صوته؟
— كان بيناديه كل ليلة.
ثم قال ياسين:
— سليم دخل عنده…
— وبعدين؟
— الباب اتقفل.
— وإنت عملت إيه؟
بدأ الطفل في البكاء.
— فضلت أخبط عليه.
— وفتح؟
هز رأسه.
— لأ.
— وبعدها؟
— سمعت سليم بيصرخ.
توقفت أنفاس سارة.
— وسمعت صوت الرجل بيقول…
رفع ياسين عينيه إليها.
— “واحد دخل... وواحد لازم يفضل.”
قال آدم:
— إنت خرجت إزاي؟
— أمي لقتني الصبح وأنا نايم قدام الباب.
— وأخوك؟
هز ياسين رأسه.
— اختفى.
سألت سارة:
— ووالدتك؟
صمت ياسين.
ثم قال:
— ماتت بعد أسبوع.
— ووالدك؟
— اختفى.
أحست سارة بأن شيئًا لا يصدق يحدث.
— وبعدها رحت دار الأيتام؟
— أيوه.
— مين أخدك من البيت؟
رفع ياسين رأسه.
— نفس الراجل.
تجمد آدم.
— إزاي؟!
— كان بيظهرلي في كل مكان.
— في دار الأيتام؟
— أيوه.
— وإنت كنت بتشوفه؟
— أنا بس.
ثم أضاف:
— عشان كده عمري ما بنام.
سألت سارة:
— ليه؟
قال ياسين:
— لأنه لما أنام…
توقف.
— بيخليني أحلم بسليم.
— وبعدين؟
— كل مرة الحلم بيخلص بنفس الطريقة.
— إزاي؟
نظر ياسين إلى الباب.
— سليم بيطلب مني أفتح الباب.
وفجأة…
صدر صوت من الطابق العلوي.
دق... دق... دق…
تغير وجه ياسين.
قال:
— بدأ.
صعد آدم بسرعة.
كانت سارة خلفه.
وصلوا إلى الباب الخشبي.
لكن هذه المرة لم يكن مغلقًا.
كان مفتوحًا قليلًا.
ومن الداخل خرج هواء بارد.
اقترب آدم ومد يده.
قالت سارة:
— آدم... بلاش.
لكنه فتح الباب.
كانت الغرفة مظلمة.
دخل آدم.
ثم سارة.
وفي منتصف الغرفة كان هناك كرسي خشبي.
وعلى الكرسي…
كانت هناك صورة قديمة.
التقطها آدم.
كانت الصورة للعائلة نفسها.
الأب والأم وياسين وسليم.
لكن هذه المرة…
لم يكن وجه سليم مخدوشًا.
ظهر وجهه بوضوح.
شهقت سارة.
كان وجه الطفل يشبه ياسين تمامًا.
لكن المفاجأة لم تكن في الشبه.
كانت في التاريخ المكتوب خلف الصورة :
17 أكتوبر 2009.
نظر آدم إلى ياسين.
— إنت قلت إنك كنت عندك خمس سنين وقتها.
هز ياسين رأسه.
— أيوه.
— لكن الصورة دي…
توقف آدم.
ثم نظر إلى الطفل مرة أخرى.
— اتصورت قبل ما تولد بسنة.
سقطت الصورة من يده.
ساد الصمت.
رفع ياسين عينيه.
وكانت ملامحه قد تغيرت تمامًا.
قال بصوت منخفض:
— أنا عارف.
اقتربت منه سارة.
— عارف إيه؟
ابتسم ياسين.
ابتسامة باردة لم تشبه ابتسامة طفل.
وقال:
— لأني مش ياسين.
وفي اللحظة نفسها…
انغلق الباب خلفهم بعنف.
ومن داخل الظلام جاء صوت طفل آخر:
— أخيرًا قلت لهم الحقيقة.
نهاية الفصل الثالث.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق