ليلي و ساره و الهمس من المرايا

ليلي و ساره و الهمس من المرايا

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

       همس المرايا 

كانت "ليلى" عندها 7 سنين. بنت هادية جداً وشعرها طويل بيوصل لحد ركبها. بعد ما مامتها وباباها سافروا السعودية عشان الشغل، اضطرت تقعد مع تيتا في الشقة القديمة في الدور الرابع في 10 رمضان. الشقة كبيرة بس ساكتة زيادة عن اللزوم. ريحة التراب والبخور القديم مالية المكان، وصوت الساعة الحيط بيعدي في الهدوء كأنه بيعد الأنفاس.

أكتر حاجة كانت بتخوف ليلى هي أوضة النوم الكبيرة بتاعت تيتا. فيها سرير خشب عالي ودولاب قديم، وفي الحيطة مراية بطول الإنسان. الإطار بتاعها خشب غامق ومنقوش عليه ورد دبلان كأنه متاكل من الزمن. كل ما ليلى تعدي من قدامها بتحس إن فيه حد بيبص عليها من جوة.

أول يوم تيتا قالت لها وهي بتظبط الملاية: "اسمعي يا ليلى، إياكِ تتكلمي مع المراية دي يا حبيبتي، ولا تبصي فيها بالليل". ليلى ضحكت وقالت "حاضر يا تيتا" بس الفضول كان بياكلها. ليه ممنوع نبص في المراية؟

أول ليلة، الساعة 2 الفجر بالظبط، صحيت ليلى على صوت همس ناعم. "ليلى... تعالي العبي معايا". الصوت جاي من أوضة تيتا. الجو كان حر برا بس الأوضة كانت ساقعة كأن التكييف شغال. قامت بالراحة على أطراف صوابعها. لقت باب الأوضة موارب والمراية منورة نور أبيض خفيف، رغم إن النور مقفول.

قربت براحة وبصت. جوة المراية ما كانش انعكاسها هي. كان فيه بنت شبهها بالظبط، نفس الطول ونفس الشعر، بس شعرها متلخبط ولبسها فستان أبيض قديم متقطع وفيه بقع صفرا. البنت ابتسمت ابتسامة واسعة وعينيها سودا خالص وقالت: "أنا اسمي سارة. محدش بيلعب معايا من زمان. تعالي".

ليلى اتجمدت مكانها وقلبها بيدق. جريت على أوضتها واتغطت للصبح. تاني يوم الصبح حكت لتيتا وهي بترتعش. تيتا وشها اتغير وحضنتها جامد وقالت: "دي شقة جدك الله يرحمه. بنت الجيران وقعت من البلكونة من 20 سنة وهي عندها 7 سنين برضو. اسمها سارة. من يومها والمراية دي مسكونة. محدش فاهم ليه الروح لازقة فيها".

ليلى وعدت إنها مش هتقرب تاني، بس كل ليلة في نفس المعاد الساعة 2 الصوت بيرجع. "ليلى ليه مش بتيجي؟ أنا وحيدة". وبعدها بيومين بقى فيه صوت خبط خفيف من جوة الإزاز. المراية بدأت يظهر فيها شروخ رفيعة، ومن الشروخ كان بيطلع هوا ساقع.

في اليوم الخامس، تيتا كانت تعبانة ونامت بدري واخدت دوا. الساعة 2 الصبح، ليلى صحيت لوحدها ولقت باب أوضة المراية مفتوح على الآخر. الضلمة كانت تقيلة. دخلت ورجليها بتترعش. المراية كلها كانت ضباب أبيض، ومش باين فيها حاجة.

وفجأة الضباب اتحرك وإيد بيضا طلعت من نص المراية. الإيد كانت ساقعة جداً كأنها طالعة من الفريزر. مسكت إيد ليلى جامد وقالت بصوت مكتوم: "يلا بقى. استنيتك كتير. دورك تيجي تعيشي معايا جوة عشان أطلع أنا".

ليلى صرخت بأعلى صوتها. في نفس الثانية تيتا دخلت جري بالجلابية، ورمت ملاية بيضا على المراية كلها وكسرت لمبة الأوضة بإيدها وقعدت تقرأ قرآن بصوت عالي. سمعوا صوت صريخ مش بشري وبعدين سكوت تقيل كتم نفسهم.

من يومها المراية متغطية بالملاية البيضا ومحدش بيقرب منها. تيتا جابت شيخ كتب ورقة قرآن وعلقها بدبوس ورا الإطار. الشقة كلها بقت تنور بالليل ومحدش بينام في الأوضة دي.

عدت السنين وليلى كبرت وبقت عندها 20 سنة وسافرت مع أهلها. بس العادة مراحتش. لحد النهاردة لما بتعدي قدام أي مراية بالليل، حتى مراية الحمام، بتسمع نفس الهمس: "ليلى... امتى هتيجي تلعبي معايا؟ أنا مستنياكي".

ولحد دلوقتي ليلى بتنام والنور منور، وبتحط ضهرها للحيطة عشان متشوفش انعكاسها. وكل مرة تغسل وشها بتبص بسرعة وتهرب. لأنها عارفة... سارة لسه مستنية

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ahmed تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-