المحطة التي لا تصل إليها القطارات

# المحطة التي لا تصل إليها القطارات
كان تامر يعمل في أرشيف محطة قطارات قديمة، وكانت مهمته بسيطة: ترتيب الملفات والتذاكر القديمة وحفظ السجلات التي لم يعد أحد يستخدمها.
لم يكن العمل مثيرًا، لكنه كان يحب الأشياء القديمة.
في إحدى الليالي، وبينما كان يرتب صندوقًا مليئًا بتذاكر تعود لعشرات السنين، وجد تذكرة مختلفة عن باقي التذاكر.
كانت مصنوعة من ورق سميك، ولونها أصفر بسبب الزمن.
قرأ البيانات المكتوبة عليها.
**اسم الراكب: تامر.**
توقف للحظة.
ظن أنها مجرد مصادفة.
لكن عندما قرأ الوجهة، شعر بالدهشة.
**محطة الغروب.**
لم يسمع بهذا الاسم من قبل.
بحث في سجلات المحطة، ثم في الخرائط القديمة، ولم يجد أي محطة بهذا الاسم.
الأغرب أن تاريخ الرحلة كان:
**غدًا.**
ضحك تامر ووضع التذكرة في جيبه، لكنه لم يعرف لماذا شعر طوال الطريق إلى منزله بأن شخصًا ما يراقبه.
في اليوم التالي، انتهى عمله متأخرًا.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وكانت المحطة شبه فارغة.
وبينما كان تامر يخرج من الباب الخلفي، سمع صوت قطار قادم.
توقف.
المحطة كانت قد أعلنت منذ دقائق أن آخر قطار غادر.
نظر إلى لوحة المواعيد.
لم يكن هناك أي قطار مسجل.
لكن الصوت كان يقترب.
ثم ظهر قطار قديم من وسط الظلام.
لم يكن يحمل رقمًا.
ولا شعار الشركة.
حتى نوافذه كانت مظلمة تمامًا.
توقف القطار أمام الرصيف.
فُتح أحد الأبواب.
لم يكن هناك سائق أو موظف.
وفي اللحظة نفسها، بدأت التذكرة في جيب تامر تصبح دافئة.
أخرجها.
تغيرت الكتابة عليها.
بدلًا من "غدًا"، أصبح مكتوبًا:
**الآن.**
كان يجب عليه أن يبتعد.
لكنه صعد.
أغلق الباب خلفه.
تحرك القطار ببطء.
جلس تامر في أول عربة.
في البداية لم يسمع شيئًا سوى صوت العجلات.
ثم بدأ يسمع همسات.
ظن أنها قادمة من العربة المجاورة.
اقترب من الباب الفاصل.
توقفت الهمسات.
عاد إلى مقعده.
عادت الهمسات.
هذه المرة كان يسمع اسمه بوضوح.
“تامر…”
رفع رأسه.
لم يكن هناك أحد.
مرر يده على زجاج النافذة ليرى الخارج.
لم يرَ شيئًا.
ثم ظهر انعكاس وجهه على الزجاج.
كان يحدق في نفسه.
لكن انعكاسه لم يرمش.
تراجع تامر بسرعة.
رمش مرة أخرى.
عاد الانعكاس طبيعيًا.
بدأ يقنع نفسه أن التعب هو السبب.
بعد دقائق، توقف القطار.
فتح الباب.
وجد تامر نفسه أمام محطة قديمة.
كانت اللافتة فوقها تحمل اسم:
**محطة الغروب.**
نزل.
التفت خلفه.
اختفى القطار.
لم يبقَ سوى الرصيف.
كان المكان مهجورًا، لكن هناك أشخاصًا كثيرين يقفون في المحطة.
رجال ونساء من أعمار مختلفة.
بعضهم يرتدي ملابس حديثة، والبعض الآخر يرتدي ملابس قديمة جدًا.
كلهم يقفون أمام لوحة واحدة.
كانت اللوحة تعرض وقتًا ثابتًا:
**11:47.**
اقترب تامر من رجل يقف بجانبه.
سأله:
“هو القطار هيرجع إمتى؟”
نظر الرجل إليه.
ثم قال:
“أول مرة؟”
أجاب تامر:
“أيوه.”
قال الرجل:
“إذن لسه قدامك وقت.”
سأل تامر:
“وقت لإيه؟”
لم يجب الرجل.
ابتعد.
لاحظ تامر أن جميع الموجودين كانوا يتجنبون النظر إلى السكة الحديد.
وعندما حاول أن يسأل امرأة عن السبب، رفعت إصبعها أمام فمها.
ثم همست:
“لما تسمع الجرس… اقفل عينيك.”
قبل أن يسألها لماذا، سمع صوتًا بعيدًا.
**جررررن…**
جرس المحطة.
في اللحظة نفسها، أغمض الجميع أعينهم.
تامر لم يفهم، لكنه أغلق عينيه.
مرت ثوانٍ.
سمع خطوات كثيرة على الرصيف.
خطوات بطيئة.
ثم شعر بشخص يقف أمامه مباشرة.
لم يفتح عينيه.
جاء صوت بجواره:
“ماتفتحش.”
كان صوت الرجل الذي تحدث إليه.
ثم سمع تامر صوتًا آخر.
صوت والدته.
“تامر؟”
اتسعت عيناه.
كانت والدته تناديه باسمه من أمامه.
“تامر، افتح عينيك.”
بدأت دموعه تنزل من شدة التوتر.
صوتها أصبح أقرب.
“أنا هنا.”
ثم همست:
“بصلي.”
ظل تامر مغمض العينين.
بعد لحظات، اختفى الصوت.
فتح عينيه.
لم يكن هناك أحد أمامه.
لكن الرجل الذي حذره اختفى أيضًا.
بدأ تامر يشعر أن المكان ليس مجرد محطة.
كان شيئًا ينتظر.
ذهب إلى مكتب المحطة.
وجد موظفًا يجلس خلف نافذة زجاجية.
قال تامر:
“عايز أرجع.”
رفع الموظف رأسه.
“من أي محطة جيت؟”
قال:
“المحطة الرئيسية.”
هز الموظف رأسه.
“مفيش محطة رئيسية هنا.”
“طب أرجع إزاي؟”
قال الموظف:
“استنى القطار.”
“وإمتى هييجي؟”
نظر إلى الساعة.
“لما تفتكر.”
خرج تامر من المكتب.
كان يريد الهرب، لكنه اكتشف أن ممر الخروج اختفى.
بدلًا منه كان هناك جدار حجري.
بدأ يطرق عليه.
صرخ:
“أنا عايز أخرج!”
لا إجابة.
ثم جاءه صوت من خلف الجدار.
صوته هو.
**"وأنا كمان."**
تراجع تامر.
تكرر الصوت:
“أنا عالق هنا من زمان.”
بدأ تامر يركض بين الممرات.
كلما انعطف وجد نفس المكان.
نفس الساعة.
نفس المقاعد.
نفس الأشخاص.
حتى الرجل الذي تحدث إليه عاد ووقف أمامه.
قال تامر:
“إنت كنت فين؟”
أجاب الرجل:
“كنت مستني القطار.”
“من إمتى؟”
نظر الرجل إلى يديه.
ثم قال:
“مش فاكر.”
فجأة نظر إلى تامر وقال:
“اسمك إيه؟”
تجمد تامر.
“تامر.”
كرر الرجل:
“تامر…”
ثم بدأ يبتسم.
“كويس إنك لسه فاكر.”
ركض تامر بعيدًا.
بدأ يحاول تذكر أشياء عن حياته.
اسم والدته.
عنوان منزله.
اسم مدرسته.
كلما حاول، شعر أن ذكرياته أصبحت ضبابية.
ثم نسي وجه والده.
بعدها نسي شكل منزله.
ثم نسي لماذا جاء إلى المحطة أصلًا.
جلس على الأرض وهو يرتجف.
نظر إلى يده.
كان يحمل التذكرة.
وجد أن اسم "تامر" بدأ يختفي منها.
حل محله اسم آخر.
ثم اختفى الاسم الجديد أيضًا.
بدأت التذكرة تصبح فارغة.
وفجأة أضاءت لوحة المحطة.
ظهر عليها:
**الرحلة القادمة: 11:47.**
ثم تغيرت الجملة:
**عدد الركاب: 1.**
ثم:
**اسم الراكب: غير معروف.**
سمع تامر صوت خطوات خلفه.
لم يلتفت.
الخطوات اقتربت.
ثم سمع صوته:
“لو عايز ترجع، افتكر أول مرة جيت هنا.”
أغمض عينيه.
بدأت ذكرى قديمة تظهر في رأسه.
كان طفلًا صغيرًا.
كان يقف في محطة قطارات مع والده.
ثم سمع جملة:
“ماتدخلش القطار ده.”
فتح عينيه.
تذكر.
كان قد رأى القطار من قبل.
منذ سنوات طويلة.
لكنه لم يكن يتذكر لماذا نسيه.
بدأت أصوات المحطة ترتفع.
الأشخاص الواقفون على الرصيف بدأوا يتحركون لأول مرة.
كلهم توجهوا نحوه.
قالت المرأة:
“افتكرت؟”
أجاب تامر:
“أيوه.”
قالت:
“إذن القطار افتكرك كمان.”
انطفأت الأنوار.
بدأ صوت قطار يقترب.
هذه المرة كان الصوت ضخمًا.
اهتزت الأرض.
بدأت الجدران تتحرك.
ظهرت أبواب في أماكن لم تكن موجودة.
ومن خلف كل باب جاءت أصوات مختلفة.
أصوات أشخاص ينادون أسماء الركاب.
“محمود…”
“سعاد…”
“حسن…”
ثم:
**"تامر…"**
ركض تامر نحو السكة.
ظهر القطار.
كان أسرع من أي قطار رآه في حياته.
لكن بدلًا من التوقف، مر أمامه بسرعة.
وعلى نوافذه رأى وجوهًا كثيرة.
كل وجه كان يحدق فيه.
ثم رأى وجهًا يعرفه.
كان وجه أخيه الذي توفي منذ سنوات.
اقترب الوجه من الزجاج.
وكتب بإصبعه من الداخل:
**اهرب.**
اختفى القطار.
ساد الصمت.
ثم سمع تامر صوتًا خلفه:
“هو كدب عليك.”
استدار.
كان أخوه واقفًا على الرصيف.
قال:
“القطار مش عايز ياخدك.”
“أمال عايز إيه؟”
ابتسم أخوه ابتسامة غريبة.
“عايز يرجعك.”
“لـفين؟”
اقترب منه.
“لليوم اللي دخلت فيه هنا أول مرة.”
بدأت المحطة كلها تتغير.
الجدران أصبحت جديدة.
المقاعد اختفت.
الساعة بدأت تتحرك.
**11:46.**
ثم:
**11:47.**
وفجأة وجد تامر نفسه واقفًا في محطة يعرفها جيدًا.
محطته القديمة.
لكن المكان كان فارغًا.
سمع صوت طفل يضحك.
التفت.
رأى نفسه طفلًا يقف أمام قطار أسود.
وبجانبه والده.
كان والده يمسك يده بقوة.
ثم ظهر رجل غريب خلف الطفل.
قال للطفل:
“اركب.”
أمسك الأب ابنه وأبعده.
ثم قال:
“لو ركبت القطار ده، هترجع من غير ذكريات.”
فهم تامر الحقيقة.
هو لم يكن يزور المحطة للمرة الأولى.
كان قد وصل إليها طفلًا.
والده أنقذه.
لكن المحطة لم تنسه.
كانت تنتظر عودته.
وفجأة تغير المشهد.
عاد تامر إلى محطة الغروب.
كان القطار أمامه.
هذه المرة الباب مفتوح.
ومن الداخل جاء صوت:
“تامر.”
ثم صوت والده.
“تعال.”
ثم صوت أخيه.
“تعال.”
ثم أصوات أصدقائه.
ثم صوته هو.
“تعال.”
أغلق تامر أذنيه وبدأ يركض.
لكن الرصيف لم ينتهِ.
كان يجري، ومع ذلك ظل القطار بجانبه.
نظر إلى اللوحة.
**11:47.**
ثم بدأت الأرقام تتغير.
**11:48.**
**11:49.**
لأول مرة تحرك الوقت.
لكن مع كل دقيقة تمر، بدأت ملامح تامر تختفي من ذاكرته.
لم يعد يعرف اسمه.
ثم لم يعد يعرف كيف يبدو.
ثم لم يعد يعرف من ينتظره في الخارج.
جلس على الأرض.
نظر إلى التذكرة.
كان الاسم قد اختفى تمامًا.
لكن ظهر عليها سطر جديد:
**"آخر فرصة."**
ظهر باب في نهاية الرصيف.
ركض إليه.
فتح الباب.
وجد نفسه أمام منزله.
كان الصباح قد حل.
دخل بسرعة.
كل شيء كان طبيعيًا.
أو هكذا ظن.
لكن عندما وصل إلى غرفته، وجد شيئًا فوق مكتبه.
كانت هناك عشرات التذاكر القديمة.
كلها تحمل اسمه.
كل واحدة منها تحمل تاريخًا مختلفًا.
أخذ أول تذكرة.
كان تاريخها قبل عشرين عامًا.
والثانية قبل عشر سنوات.
والثالثة قبل خمس سنوات.
ثم وجد تذكرة بتاريخ اليوم.
بدأ يشعر بالخوف.
قلبها.
كان مكتوبًا عليها:
**"رحلة العودة: مكتملة."**
ثم وجد تذكرة أخرى بتاريخ الغد.
قرأ اسم الراكب.
لم يكن اسمه.
كان اسم صديقه المقرب.
اتصل به فورًا.
رد صديقه بصوت ناعس:
“في إيه؟”
قال تامر:
“إنت عندك تذكرة قطار؟”
ضحك صديقه.
“إيه الهبل ده؟”
سكت تامر.
لأنه سمع في الخلفية صوت قطار.
ثم صوت إعلان بعيد:
**"الراكب التالي… يرجى التوجه إلى الرصيف."**
انقطع الاتصال.
ركض تامر إلى نافذته.
في الشارع أمام المنزل، لم يكن هناك أحد.
لكن في نهاية الطريق ظهر ضوء قطار.
لم يكن هناك خط سكة حديد أصلًا.
اقترب الضوء.
ثم توقف.
فُتح الباب.
ظهر صديقه واقفًا داخل القطار.
ينظر إليه.
لكن صديقه لم يكن وحده.
خلفه وقف عشرات الأشخاص.
كلهم يحملون تذاكر.
ثم رفع صديقه يده.
كان يمسك تذكرة مكتوبًا عليها:
**محطة الغروب.**
صرخ تامر:
“ماتركبش!”
ابتسم صديقه.
ثم قال:
“بس أنا راجع.”
أغلق باب القطار.
واختفى الضوء.
في الصباح، ذهب تامر إلى محطة القطار ليسأل عن الرحلة.
بحث الموظف في النظام.
ثم قال:
“مفيش أي قطار خرج امبارح بعد الساعة عشرة.”
قال تامر:
“أنا ركبته.”
نظر الموظف إليه باستغراب.
ثم أضاف:
“بس في حاجة غريبة.”
“إيه؟”
أخرج الموظف ملفًا قديمًا.
قال:
“محطة الغروب اتقفلت من 1978.”
نظر تامر إلى الملف.
كانت هناك صورة قديمة للمحطة.
وقف عندها عدد كبير من الأشخاص.
وفي مقدمتهم رجل يشبه تامر تمامًا.
سأل:
“مين ده؟”
قال الموظف:
“ده كان آخر موظف اشتغل هناك.”
قلب تامر الصورة.
وجد تاريخًا.
**1978.**
وتحت الصورة جملة مكتوبة بخط اليد:
**"المحطة لا تأخذ الركاب… هي تأخذ ذكرياتهم، ثم تعيدهم عندما تحتاج إلى ركاب جدد."**
في تلك الليلة، عاد تامر إلى منزله.
حاول النوم.
عند الساعة 11:47، سمع صوت قطار.
فتح عينيه.
كان الصوت قادمًا من داخل غرفته.
نظر إلى الحائط.
ظهرت عليه لافتة قديمة تحمل اسم:
**محطة الغروب.**
ثم سمع صوت مكبر الصوت:
**"الراكب تامر… الرحلة القادمة بعد دقيقة."**
نظر إلى التذكرة الموجودة فوق مكتبه.
لم تعد تحمل تاريخ الغد.
بل أصبحت تحمل تاريخ اليوم.
وتحت اسم المحطة ظهرت جملة جديدة:
**"هذه المرة… لن تعود."**
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق