البيت الذي يتنفس

البيت الذي يتنفس

Rating 0 out of 5.
0 reviews

# البيت الذي يتنفس

لم يكن نادر يؤمن بالخرافات، وكان يعتبر معظم قصص الأشباح مجرد حكايات اخترعها الناس لتخويف بعضهم. لذلك عندما وجد منزلًا قديمًا للبيع بسعر منخفض جدًا، لم يفكر طويلًا قبل أن يشتريه.

كان المنزل يقع في أطراف قرية صغيرة بعيدة عن المدينة. تحيط به أشجار طويلة، وكانت أقرب المنازل إليه على مسافة كبيرة. المنزل نفسه كان مكونًا من طابقين، وله حديقة مهملة وباب خشبي ضخم يحمل آثار الزمن.

عندما استلم نادر المفتاح، قال له الرجل الذي باع المنزل:

“في حاجة واحدة بس لازم تعرفها.”

نظر إليه نادر باهتمام.

“إيه؟”

قال الرجل:

“لو سمعت صوت تنفس في الحيطان بالليل… ما تحاولش تعرف مصدره.”

ضحك نادر.

“تنفس؟”

لم يضحك الرجل.

“أنا حذرتك.”

انتقل نادر إلى المنزل في اليوم التالي.

في البداية، لم يحدث شيء غريب.

رتب أثاثه، نظف الغرف، وبدأ يشعر أن المنزل يمكن أن يصبح مكانًا مريحًا جدًا للعيش.

لكن عند الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، استيقظ على صوت غريب.

**هـــــااااا…**

ثم صمت.

بعد ثوانٍ:

**هـــــااااا…**

كان الصوت يشبه تنفس شخص نائم.

جلس نادر على السرير وأصغى.

كان الصوت يأتي من الحائط بجانب رأسه.

اقترب ووضع أذنه على الجدار.

سمع شيئًا جعل جسده يتجمد.

كان هناك صوت تنفس واضح خلف الحائط.

ابتعد بسرعة.

ظل مستيقظًا حتى الصباح، وحاول إقناع نفسه بأن الأنابيب القديمة أو الرياح هي السبب.

لكن في الليلة التالية تكرر الأمر.

وفي نفس الوقت تمامًا.

**الثانية وسبع عشرة دقيقة.**

هـــــااااا…

هـــــااااا…

هذه المرة كان الصوت أعلى.

بدأ نادر يفحص الجدران.

وجد ورق حائط قديمًا خلف خزانة كبيرة في غرفة النوم. أزاح الخزانة، ولاحظ شقًا رفيعًا في الحائط.

أحضر مفكًا وحاول توسيع الشق.

فجأة توقف الصوت.

تراجع نادر.

ثم سمع طرقًا من داخل الحائط.

**دق… دق… دق.**

لم يقترب.

في الصباح، ذهب إلى مقهى القرية وسأل بعض السكان عن المنزل.

عندما ذكر عنوانه، ساد الصمت.

قال رجل مسن:

“إنت اشتريت البيت ده؟”

أجاب نادر:

“أيوه.”

نظر الرجل إلى الآخرين.

ثم قال:

“كان لازم تعرف تاريخه.”

أخبره أن المنزل بُني قبل أكثر من مئة عام، وأن عدة عائلات عاشت فيه ثم غادرت فجأة.

لكن هناك شيئًا أغرب.

كل من عاش في المنزل كان يسمع صوت التنفس نفسه.

وبعد فترة، كانوا يبدأون في الشكوى من أن الجدران تتحرك.

ثم يختفون.

سأل نادر:

“يختفوا إزاي؟”

قال الرجل:

“بيسيبوا كل حاجتهم ويمشوا… بس محدش شافهم خارجين.”

عاد نادر إلى منزله وهو يشعر بالقلق.

قرر تسجيل الصوت ليثبت لنفسه أنه ليس مجرد وهم.

في الليل، وضع هاتفه أمام الحائط وانتظر.

الثانية وسبع عشرة دقيقة.

بدأ الصوت.

**هـــــااااا…**

ثم حدث شيء لم يكن يتوقعه.

بدأ الحائط يتحرك ببطء.

لم يكن مجرد وهم بصري.

كان الجدار يرتفع وينخفض قليلًا، وكأن شيئًا ضخمًا يتنفس خلفه.

تراجع نادر حتى اصطدم بالباب.

ثم سمع صوتًا هامسًا:

“متخافش.”

تجمد.

لم يكن الصوت قادمًا من الحائط.

كان قادمًا من خلفه.

استدار.

لم يكن هناك أحد.

عاد الصوت:

“أنا تعبت.”

بدأت أنفاس البيت تصبح أسرع.

**هــــااا… هــــااا… هــــااا…**

ركض نادر إلى الباب.

حاول فتحه.

لم يتحرك.

حاول النوافذ.

كانت مغلقة رغم أنه لم يغلقها.

ثم بدأت جدران الغرفة تتحرك ببطء نحوه.

لم يكن المنزل ينهار.

كان يتحرك.

كأنه حي.

ظهر شق كبير في الحائط.

ومن داخله خرج هواء بارد.

ثم ظهرت عشرات الأسماء محفورة داخل الجدار.

أسماء الأشخاص الذين عاشوا في المنزل.

كان آخر اسم هو:

**نادر.**

صرخ نادر وتراجع.

لكن بجانب اسمه كان هناك تاريخ.

**اليوم.**

فهم أن المنزل كان يعرف أنه سيأتي.

وفجأة ظهر باب صغير في الحائط.

فتح الباب وحده.

خلفه كانت هناك غرفة ضيقة مليئة بأغراض قديمة.

ساعات.

صور.

ملابس.

حقائب.

أشياء تركها أصحاب المنزل السابقون.

وفي نهاية الغرفة كان هناك كرسي خشبي.

فوقه جهاز تسجيل قديم.

اشتغل الجهاز وحده.

سمع نادر صوت رجل يقول:

“لو وصلت للغرفة دي، يبقى البيت اختارك.”

ثم صوت امرأة:

“ماتحاولش تخرج.”

ثم صوت طفل:

“هو مش بيقتل الناس.”

صمت التسجيل لحظة.

ثم قال الطفل:

“هو بيخليهم يعيشوا جواه.”

تراجع نادر.

وفجأة سمع صوتًا يعرفه.

صوت والدته.

“نادر…”

لم يصدق أذنيه.

والدته كانت في مدينة أخرى.

جاء الصوت من داخل الجدار:

“ارجع يا ابني.”

ثم صوت والده.

ثم أصوات أشخاص يعرفهم.

كان المنزل يقلد أصواتهم.

حاول نادر تجاهلها، وركض نحو الباب الرئيسي مرة أخرى.

هذه المرة انفتح الباب.

خرج إلى الحديقة دون أن ينظر خلفه.

ركض حتى وصل إلى الطريق.

ثم استدار.

كان المنزل ساكنًا تمامًا.

لا حركة.

لا صوت.

عاد نادر إلى المدينة، وقرر بيع المنزل فورًا.

لكنه عندما ذهب إلى مكتب العقارات، اكتشف شيئًا غريبًا.

لم يكن المنزل مسجلًا باسمه.

بل كان مسجلًا منذ عشرات السنين باسم شخص آخر.

سأل الموظف عن الاسم.

فتح الرجل الملف وقال:

“غريب… الاسم ده هو أول مالك للبيت.”

“مين؟”

نظر الموظف إلى الورقة.

ثم رفع عينيه.

“نادر.”

ضحك نادر بتوتر.

“مستحيل.”

لكن الموظف أخرج صورة قديمة.

كان فيها رجل يقف أمام المنزل.

الرجل يشبه نادر تمامًا.

نفس الوجه.

نفس العينين.

حتى نفس الندبة الصغيرة بجانب حاجبه.

وتحت الصورة تاريخ يعود إلى أكثر من مئة عام.

عاد نادر إلى القرية في اليوم التالي، لكنه لم يجد المنزل.

كان المكان فارغًا.

فقط بقايا أساسات قديمة تغطيها الأعشاب.

ظن أن كل شيء انتهى.

حتى تلك الليلة.

عند الساعة الثانية وسبع عشرة دقيقة، استيقظ نادر في شقته داخل المدينة.

سمع الصوت.

**هــــااااا…**

وضع أذنه على الحائط.

كان الصوت واضحًا.

هــــااااا…

ثم سمع طرقًا.

**دق… دق… دق.**

تراجع عن الحائط.

جاء صوت من داخله:

“رجعت.”

وفي الصباح، عندما استيقظ نادر، وجد على الحائط أمام سريره شقًا جديدًا.

كان الشق على شكل باب.

وفوقه ظهرت جملة محفورة بعمق:

**"البيت لا يحتاج أن تسكن فيه… يكفي أن يتذكرك."**

ومنذ ذلك اليوم، كلما انتقل نادر إلى مكان جديد، كان يسمع نفس الصوت في الحائط.

نفس التنفس.

نفس الطرق.

ونفس الهمسة.

**"أنا هنا."**

 

comments ( 0 )

please login to be able to comment

article by
Hafsa Rating 4.99 out of 5.
articles

22

followings

63

followings

224

similar articles
-