القرية التي لا يظهر فيها الظلام

القرية التي لا يظهر فيها الظلام

Rating 0 out of 5.
0 reviews
image about القرية التي لا يظهر فيها الظلام

# القرية التي لا يظهر فيها الظلام

كان ياسر مولعًا بالخرائط القديمة، ليس لأنه يعمل في مجال الجغرافيا، بل لأن جده كان يترك له دائمًا خرائط غريبة لأماكن لم يعد لها وجود.

قبل وفاة جده بأيام، أعطاه صندوقًا خشبيًا صغيرًا، وقال له:

“لو فتحت الصندوق بعد ما أموت، افتكر إن مش كل مكان مكتوب على الخريطة ينفع تروحه.”

لم يفهم ياسر كلامه.

وبعد وفاة جده، فتح الصندوق.

وجد داخله خريطة قديمة جدًا، مرسوم عليها طريق ينتهي عند قرية صغيرة بين الجبال.

كان اسم القرية:

**وادي السكون.**

لكن الشيء الغريب أن جده كتب تحت الاسم:

**"لا تصل إليها بعد غروب الشمس… ولا تثق في أهلها."**

بحث ياسر عن القرية على الإنترنت، لكنه لم يجد أي معلومات عنها.

لم يستطع مقاومة فضوله.

بعد عدة أيام، انطلق بالسيارة نحو المنطقة الموجودة على الخريطة.

استمر في القيادة حتى بدأ الطريق يضيق، وتحولت الأشجار إلى غابة كثيفة. وبعد ساعات، وصل إلى ممر جبلي لم يكن موجودًا على أي خريطة حديثة.

عند نهاية الممر ظهرت القرية.

كانت صغيرة وهادئة.

المنازل حجرية، والشارع الرئيسي فارغ تمامًا.

لكن أكثر شيء غريب كان السماء.

كانت الشمس مشرقة رغم أن ساعة ياسر كانت تشير إلى التاسعة مساءً.

توقف أمام أول منزل.

خرج رجل مسن وسأله:

“إنت جاي من بره؟”

أجاب ياسر:

“أيوه.”

تغير وجه الرجل.

قال:

“يبقى لازم تمشي قبل ما الليل يبدأ.”

نظر ياسر إلى السماء.

“بس الشمس لسه موجودة.”

قال الرجل:

“دي مش الشمس.”

ثم أغلق الباب.

شعر ياسر بقشعريرة.

قرر أن يجد مكانًا يبيت فيه، لأن العودة في الظلام وسط الجبال كانت خطيرة.

دخل منزلًا قديمًا حوّله صاحبه إلى نُزل صغير.

أعطته صاحبة المكان غرفة في الطابق العلوي.

وقبل أن يصعد، قالت له:

“لو سمعت جرس الكنيسة، ما تبصش من الشباك.”

سألها:

“ليه؟”

أجابته:

“لأنك ممكن تشوف حاجة مش المفروض تشوفها.”

صعد ياسر إلى غرفته.

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

ظل الضوء يدخل من النافذة كما لو أن النهار لم ينتهِ.

ثم فجأة…

انطفأت الشمس.

حل الظلام في ثانية واحدة.

وفي نفس اللحظة، سمع ياسر جرسًا قادمًا من وسط القرية.

**دونغ…**

**دونغ…**

**دونغ…**

تذكر تحذير المرأة.

ابتعد عن النافذة.

لكن الفضول انتصر.

اقترب ببطء ونظر من بين الستائر.

لم ير القرية.

بل رأى شيئًا آخر.

كانت الشوارع مليئة بأشخاص يقفون بلا حركة.

وجوههم متجهة إلى الأعلى.

وفوقهم كانت السماء مليئة بنقاط ضوء تشبه النجوم.

لكنها لم تكن نجومًا.

كانت **عيونًا**.

عشرات العيون الضخمة تنظر إلى القرية من السماء.

تراجع ياسر بسرعة.

ثم سمع طرقًا على باب غرفته.

**دق… دق… دق.**

جاء صوت رجل:

“افتح.”

لم يرد.

قال الرجل:

“إحنا عارفين إنك شوفت.”

ابتعد ياسر عن الباب.

ثم سمع صوتًا يعرفه جيدًا.

صوت جده.

“ياسر… افتح يا ابني.”

تجمد في مكانه.

جده كان قد مات.

اقترب من الباب دون أن يفتحه.

“جدي؟”

جاء الرد:

“أنا هنا.”

ثم تغير الصوت.

أصبح صوتًا عميقًا وغريبًا:

“وأنت كمان هتفضل هنا.”

ركض ياسر إلى النافذة.

كان الظلام قد اختفى.

عادت الشمس.

لكن القرية أصبحت فارغة.

لا سكان.

لا سيارات.

لا أصوات.

فقط بيوت مفتوحة الأبواب.

نزل ياسر بسرعة إلى الشارع.

وجد المرأة صاحبة النُزل واقفة أمام المنزل.

سألها:

“الناس اختفوا فين؟”

قالت:

“رجعوا.”

“رجعوا فين؟”

أشارت إلى السماء.

ثم قالت:

“القرية دي مش موجودة طول الوقت.”

أخبرته أن وادي السكون يظهر في أماكن مختلفة كل عدة سنوات، وأن سكانه ليسوا بشرًا بالمعنى الذي يعرفه الناس.

هم أشخاص كانوا في القرية منذ أجيال، لكنهم أصبحوا جزءًا من شيء يعيش فوقها.

شيء يظهر عندما تغيب الشمس.

قالت:

“الناس اللي بتشوف العيون… القرية بتختارهم.”

سأل ياسر:

“وتعمل فيهم إيه؟”

لم تجبه.

بدلًا من ذلك، أعطته مفتاحًا قديمًا.

“جدك كان هنا قبلك.”

تجمد ياسر.

“إيه؟”

قالت:

“هو الوحيد اللي خرج.”

ثم أضافت:

“بس خرج وهو ناسي جزء من حياته.”

تذكر ياسر الخرائط القديمة التي كان جده يحتفظ بها.

وتذكر شيئًا غريبًا.

جده كان دائمًا يرفض الحديث عن طفولته.

لم يكن يملك أي صور من سنوات شبابه.

سألها:

“هو كان إيه اللي نسيه؟”

قالت:

“إنت.”

لم يفهم.

ثم أخرجت صورة قديمة.

كان فيها جده شابًا يقف أمام القرية.

وبجانبه طفل صغير.

كان الطفل يشبه ياسر تمامًا.

لكن الصورة كانت أقدم من تاريخ ميلاده.

بدأت الحقيقة تتضح.

لم يكن ياسر يزور القرية للمرة الأولى.

بل كان قد عاش فيها من قبل.

جده أخذه منها وهو طفل، لكن القرية أخذت جزءًا من ذاكرته.

بدأت الذكريات تعود إليه.

تذكر الشوارع.

تذكر المنازل.

وتذكر الجرس.

ثم تذكر شيئًا آخر.

كان يعرف صاحب العيون.

لم يكن مخلوقًا غريبًا.

كان شخصًا من القرية.

شخصًا وعده جده ألا يبحث عنه أبدًا.

رفع ياسر رأسه نحو السماء.

ظهرت العيون من جديد.

لكن هذه المرة، واحدة منها كانت مختلفة.

كانت تحمل وجهًا بشريًا.

وجه رجل يبتسم له.

قالت المرأة:

“ما تبصش.”

لكن الوقت كان قد فات.

بدأت القرية تهتز.

انغلقت الأبواب.

ظهرت ظلال في الشوارع.

وعاد سكان القرية واحدًا تلو الآخر.

كلهم كانوا ينظرون إلى ياسر.

ثم قالوا بصوت واحد:

**"رجع ابن القرية."**

ركض ياسر نحو الطريق.

لكن الطريق لم يعد موجودًا.

وجد نفسه أمام منزل قديم.

دخل دون أن يعرف لماذا.

وفي الداخل وجد مكتبًا مليئًا بالخرائط.

وعلى الحائط خريطة كبيرة للمنطقة.

كان عليها عشرات العلامات الحمراء.

كل علامة تمثل مكانًا ظهرت فيه القرية سابقًا.

ثم لاحظ شيئًا.

آخر علامة لم تكن في الجبال.

كانت في المدينة التي يعيش فيها.

بجوار منزله تمامًا.

شعر ياسر بالخوف.

ثم وجد رسالة بخط جده:

**"لو رجعت القرية وافتكرت كل حاجة، متحاولش تهرب… لأنها هتخرج معاك."**

قرأ الجملة مرة أخرى.

ثم سمع صوت جرس.

**دونغ…**

انطفأت الأنوار.

وعندما عادت، لم تعد القرية موجودة.

كان ياسر يقف وحده في طريق جبلي.

ركب سيارته وعاد إلى المدينة.

وصل إلى منزله قبل الفجر.

دخل غرفته.

كل شيء كان طبيعيًا.

حتى نظر إلى الحائط.

كانت هناك خريطة لم تكن موجودة من قبل.

خريطة لمدينته.

وفي منتصفها نقطة حمراء.

بجوارها اسم:

**وادي السكون.**

وفي تلك اللحظة، بدأت الشمس تشرق.

لكن ياسر لاحظ شيئًا من النافذة.

فوق المباني، بين السحب، ظهرت نقطة ضوء.

ثم ثانية.

ثم ثالثة.

ثم عشرات النقاط.

كانت العيون قد وصلت معه.

وأدرك ياسر أخيرًا معنى كلام جده:

**القرية لا تختفي… هي فقط تنتظر أن يأخذها أحد معه.**

 

comments ( 0 )

please login to be able to comment

article by
Hafsa Rating 4.99 out of 5.
articles

22

followings

63

followings

224

similar articles
-