القرية التي اختفت من الخريطة

القرية التي اختفت من الخريطة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about القرية التي اختفت من الخريطة

 

القرية التي اختفت من الخريطة

لم يكن يوسف يؤمن بالحكايات التي تتحدث عن أماكن تختفي من الوجود.

كان يعتقد أن كل شيء له تفسير، حتى الأشياء التي تبدو مستحيلة.

لكن هذا الاعتقاد تغير في اليوم الذي وجد فيه الخريطة القديمة داخل صندوق والده.

كان والده قد اختفى قبل خمسة عشر عامًا، ولم يعرف أحد أين ذهب.

في ذلك الوقت كان يوسف طفلًا صغيرًا، وكل ما يتذكره هو أن والده خرج من المنزل ذات ليلة ولم يعد.

مرت السنوات، وكبر يوسف، لكنه لم يتوقف عن البحث.

وفي أحد الأيام، وبينما كان يرتب أغراض والده القديمة، وجد خريطة صفراء داخل صندوق خشبي.

كانت الخريطة قديمة وممزقة من أطرافها.

وفي منتصفها، كانت هناك دائرة حمراء حول مكان مجهول.

أسفل الدائرة كتب والده بخط يده:

“قرية النور... لا تذهب إليها.”

لم يفهم يوسف لماذا كتب والده تلك الجملة.

بحث عن اسم القرية على الإنترنت.

لم يجد شيئًا.

بحث في الخرائط القديمة.

لا شيء.

سأل رجلًا مسنًا كان يعرف والده.

وعندما ذكر اسم "قرية النور"، تغير وجه الرجل.

قال:

“انسَ الموضوع.”

سأله يوسف:

“أنت تعرفها؟”

هز الرجل رأسه.

“دي قرية مفيش حد بيروحها.”

“موجودة فين؟”

صمت الرجل طويلًا، ثم قال:

“لو عرفت مكانها... متدخلهاش.”

لكن يوسف كان قد اتخذ قراره.

بعد أيام من البحث، وجد إحداثيات مكتوبة خلف الخريطة.

انطلق بسيارته إلى المكان.

كلما ابتعد عن المدينة، أصبح الطريق أكثر خلوًا.

وبعد ساعات، وجد نفسه أمام طريق ترابي ضيق تحيط به الأشجار من الجانبين.

قاد سيارته حتى وصل إلى لافتة خشبية قديمة.

كان مكتوبًا عليها:

“قرية النور — أهلًا بك.”

توقف يوسف.

نظر إلى الخريطة.

المكان صحيح.

القرية موجودة.

دخل.

كانت القرية هادئة بشكل غريب.

بيوت صغيرة، متجر قديم، مسجد، وميدان في المنتصف.

لكن لم يكن هناك شخص واحد في الشوارع.

نزل يوسف من السيارة ونادى:

“في حد هنا؟”

لم يجبه أحد.

طرق باب أحد البيوت.

فتح له رجل مسن.

نظر إليه للحظات ثم قال:

“أنت ابن محمود.”

تجمد يوسف.

“تعرف أبويا؟”

قال الرجل:

“كنا مستنيينك.”

شعر يوسف بقشعريرة.

دخل البيت.

وجد على الحائط صورة قديمة لعدد من رجال القرية.

كان والده بينهم.

قال يوسف:

“أبويا عاش هنا؟”

أجاب الرجل:

“مش عاش... هو كان واحد مننا.”

بدأ الرجل يحكي.

قبل خمسة عشر عامًا، حدث شيء غريب في القرية.

في ليلة واحدة، توقفت كل الساعات.

اختفت الإشارات من أجهزة الراديو.

ثم اختفى الطريق المؤدي إلى القرية.

لم يعد أحد يستطيع الوصول إليها أو الخروج منها.

حاول والد يوسف معرفة السبب.

واكتشف أن القرية كانت مبنية فوق مكان قديم يسمونه "بئر الزمن".

كان أهل القرية يعتقدون أن البئر يستطيع الاحتفاظ بالأشخاص والأشياء خارج الزمن.

وفي تلك الليلة، حدث شيء جعل القرية تنفصل عن العالم.

سأل يوسف:

“طب ليه أنا قدرت أوصل؟”

نظر الرجل إليه بحزن.

“لأن أبوك سمح لك.”

أخرج الرجل رسالة من درج قديم.

كانت باسم يوسف.

فتحها.

وكانت أول جملة فيها:

“لو وصلت للقرية، يبقى أنا فشلت.”

تابع القراءة.

كتب والده أنه اكتشف طريقة لإعادة القرية إلى العالم الحقيقي، لكن العملية تحتاج إلى شخص من عائلته.

ولكي يعود أهل القرية، يجب أن يدخل شخص إلى البئر.

وفي أسفل الرسالة كتب:

“ما تدخلش البئر مهما سمعت صوتي.”

رفع يوسف رأسه.

في تلك اللحظة، سمع صوت والده من خارج المنزل.

“يوسف!”

خرج مسرعًا.

كان الصوت يأتي من ناحية الميدان.

ركض حتى وصل إلى بئر حجري قديم.

وكان هناك رجل يقف بجواره.

والده.

كان يبدو كما تركه يوسف قبل خمسة عشر عامًا.

لم يتغير عمره يومًا واحدًا.

صرخ يوسف:

“بابا!”

ابتسم الرجل.

“كنت عارف إنك هتيجي.”

اقترب يوسف منه.

“إنت عايش طول السنين دي؟”

قال والده:

“الوقت هنا مختلف.”

ثم نظر إلى البئر.

“أنا حاولت أرجع، لكن القرية رفضت تخرج.”

سأل يوسف:

“إيه المطلوب؟”

قال والده:

“لازم حد يفضل هنا مكاننا.”

فهم يوسف الحقيقة.

لو خرج أهل القرية…

سيبقى شخص آخر داخلها.

قال:

“وأنت عايزني أكون الشخص ده؟”

هز والده رأسه.

“لا.”

ثم دفعه بعيدًا عن البئر.

“أنا عايزك تهرب.”

بدأت الأرض تهتز.

أضاءت نوافذ البيوت كلها في لحظة واحدة.

ظهرت أصوات مئات الأشخاص.

ثم بدأت القرية نفسها تتلاشى.

أمسك والد يوسف بيده وقال:

“لو خرجت دلوقتي، هتنسى كل حاجة.”

“وأنت؟”

ابتسم والده.

“أنا بالفعل اتنسيت.”

ثم دفعه نحو الطريق.

فتح يوسف عينيه فجأة.

كان داخل سيارته.

والشمس تشرق أمامه.

نظر إلى الخريطة.

لم تكن هناك دائرة حمراء.

ولا قرية.

ولا طريق ترابي.

عاد إلى مدينته وهو يشعر أنه عاش حلمًا طويلًا.

وفي المساء، فتح صندوق والده مرة أخرى.

وجد الخريطة.

لكن هذه المرة كان هناك شيء جديد.

جملة صغيرة مكتوبة بخط والده:

“أحيانًا المكان لا يختفي... نحن الذين نُمحى من ذاكرته.”

ومنذ ذلك اليوم، لم يجد يوسف أي دليل على وجود قرية النور.

حتى بعد سنوات.

وفي أحد الأيام، بينما كان يسير في شارع مزدحم، رأى رجلًا مسنًا يقف على الجانب الآخر.

كان والده.

نظر إليه الرجل للحظة.

ابتسم.

ثم اختفى بين الناس.

ركض يوسف خلفه، لكنه لم يجده.

وعندما عاد إلى منزله، وجد شيئًا ينتظره أمام الباب.

مفتاحًا صدئًا.

وتحته ورقة صغيرة:

“القرية ظهرت مرة أخرى.”

هذه المرة…

كان اسم يوسف مكتوبًا أسفلها.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Ha Gar تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

10

متابعهم

49

مقالات مشابة
-