المنارة التي تضيء رغم أنها مهج

# المنارة التي تضيء رغم أنها مهجورة
كان عادل يحب الأماكن التي لا يذهب إليها أحد.
يعمل مصورًا مستقلًا، وكان يبحث دائمًا عن أماكن غريبة ليصورها وينشر عنها قصصًا قصيرة. وفي أحد الأيام، أخبره صديق عن جزيرة صغيرة بعيدة عن الساحل، توجد عليها منارة مهجورة منذ أكثر من خمسين عامًا.
قال له صديقه:
“المنارة دي محدش بيقرب منها.”
ضحك عادل وسأله:
“ليه؟”
أجابه:
“بيقولوا إنها بتنور لوحدها.”
لم يأخذ عادل الكلام بجدية.
بعد أسبوع، استأجر قاربًا صغيرًا واتجه إلى الجزيرة.
استغرقت الرحلة أكثر من ساعتين. وكلما اقترب من الجزيرة، أصبح البحر أكثر هدوءًا، حتى إن القارب توقف للحظات دون سبب واضح.
رفع عادل الكاميرا وصوّر المنارة.
كانت طويلة وبيضاء، لكنها مغطاة بطبقة سميكة من الصدأ والطحالب. بابها الحديدي كان مفتوحًا.
دخل عادل.
وجد غرفة صغيرة تحتوي على مكتب خشبي قديم، ودفتر مغطى بالغبار، وساعة متوقفة.
فتح الدفتر.
كانت الصفحات مليئة بتسجيلات قديمة لحارس المنارة.
في البداية كانت الكتابات طبيعية.
“الطقس هادئ.”
“البحر مرتفع.”
“لا توجد سفن الليلة.”
لكن الصفحات الأخيرة كانت مختلفة.
**"الساعة 2:13… ظهرت سفينة."**
وفي الصفحة التالية:
**"السفينة لا تظهر على الرادار."**
ثم:
**"الركاب ينظرون إلى المنارة."**
ثم صفحة كاملة لم يكن فيها سوى جملة واحدة:
**"لا تجعل الضوء يكتشف أنك هنا."**
شعر عادل بالقشعريرة.
رفع رأسه نحو السلم.
فوقه غرفة المصباح.
قرر الصعود.
كان السلم ضيقًا، وكل خطوة كانت تصدر صوتًا مزعجًا.
عندما وصل إلى القمة، وجد المصباح العملاق مغطى بالغبار.
التقط عدة صور.
ثم حدث شيء غريب.
اشتغل المصباح.
أضاءت المنارة فجأة.
تراجع عادل.
كان الضوء يدور فوق البحر.
ثم توقف.
في نفس الاتجاه ظهرت سفينة.
لم يكن هناك أي صوت لمحرك.
كانت تتحرك ببطء شديد فوق الماء.
وجه عادل الكاميرا نحوها.
حاول تكبير الصورة.
رأى أشخاصًا يقفون على سطح السفينة.
العشرات منهم.
كلهم ينظرون إلى المنارة.
أخرج هاتفه.
لا توجد شبكة.
قرر النزول إلى الشاطئ والعودة إلى القارب.
لكن عندما وصل إلى المكان الذي ترك فيه قاربه، لم يجده.
اختفى.
نظر إلى البحر.
السفينة الغريبة أصبحت أقرب.
ثم سمع صوتًا من خلفه.
“متبصش عليها.”
استدار بسرعة.
كان هناك رجل عجوز يقف قرب الصخور.
قال عادل:
“إنت مين؟”
أجاب:
“حارس المنارة.”
نظر عادل إلى المنارة.
“بس المنارة دي مهجورة من زمان.”
قال الرجل:
“بالنسبة للناس اللي بره.”
ثم أشار إلى البحر.
“لكن هنا… لسه شغالة.”
سأل عادل:
“السفينة دي إيه؟”
تغير وجه الرجل.
“مش سفينة.”
“أمال إيه؟”
قال:
“دي بتوصل اللي المنارة بتنادي عليهم.”
بدأ عادل يتراجع.
ثم سأل:
“وإنت ليه لسه هنا؟”
ابتسم الرجل بحزن.
“لأني شغلت الضوء آخر مرة.”
صمت قليلًا ثم قال:
“من خمسين سنة.”
نظر عادل إليه بدهشة.
“إنت عايش من خمسين سنة هنا؟”
لم يجب الرجل.
فجأة بدأ الضوء يدور مرة أخرى.
مر فوق البحر.
ثم فوق الشاطئ.
وعندما عاد باتجاه عادل، اختفى الرجل.
لم يبقَ منه أي أثر.
عاد عادل إلى المنارة مسرعًا.
أغلق الباب الحديدي.
حاول إطفاء المصباح.
لكنه لم يستطع.
بدأ يسمع طرقًا على باب المنارة.
**دق… دق… دق.**
ثم صوت رجل:
“افتح.”
صوت امرأة:
“ساعدنا.”
ثم صوت طفل:
“إحنا بردانين.”
تراجع عادل.
ثم جاء صوت يعرفه جيدًا.
كان صوت والده.
والده الذي توفي منذ سنوات.
“عادل… افتح الباب.”
وضع عادل يديه على أذنيه.
لكن الصوت أصبح أقرب.
“أنا مستنيك.”
بدأت المنارة تهتز.
ثم سمع عادل صوت خطوات تصعد السلم.
خطوة.
ثم خطوة.
ثم خطوة.
أمسك الكاميرا وركض إلى أعلى نقطة.
وجد غرفة المصباح مفتوحة.
وفي الزجاج المقابل رأى البحر.
لكن البحر لم يعد طبيعيًا.
كانت هناك عشرات السفن.
كل سفينة تحمل أضواء خافتة.
وكلها تتجه نحو الجزيرة.
فتح عادل الكاميرا وبدأ في تصويرها.
ثم لاحظ شيئًا.
السفن لم تكن تتحرك فوق الماء.
كانت تتحرك فوق **صورة البحر**.
كأن الجزيرة لم تعد موجودة في العالم الحقيقي.
تذكر الجملة الموجودة في الدفتر:
**"لا تجعل الضوء يكتشف أنك هنا."**
نظر إلى المصباح.
ثم فهم.
المنارة لا تضيء لتُرشد السفن.
بل لتبحث عن أشخاص جدد.
حاول تحطيم المصباح.
أمسك بقطعة حديد وضرب الزجاج.
مرة.
مرتين.
ثم تحطم.
انطفأ الضوء.
اختفت السفن.
وساد الصمت.
بعد دقائق، بدأ الفجر.
خرج عادل من المنارة.
وجد قاربه على الشاطئ.
ركب بسرعة وغادر الجزيرة.
عندما وصل إلى المدينة، ذهب إلى مركز خفر السواحل وأخبرهم بما حدث.
فتح أحد الموظفين سجلات الجزيرة.
ثم نظر إلى عادل باستغراب.
قال:
“الجزيرة دي مفيش عليها منارة.”
أجابه عادل:
“أنا صورتها.”
أخرج الكاميرا.
لكن الصور اختفت.
كلها.
لم يبقَ سوى صورة واحدة.
كانت صورة للمنارة من بعيد.
نظر الموظف إليها.
ثم قال:
“الصورة دي اتصورت إمتى؟”
قال عادل:
“امبارح.”
هز الرجل رأسه.
“مستحيل.”
وأشار إلى أسفل الصورة.
كان هناك تاريخ مطبوع.
**منذ 52 عامًا.**
شعر عادل ببرودة تسري في جسده.
ثم لاحظ شيئًا آخر.
في أعلى المنارة، خلف زجاج غرفة المصباح، كان هناك شخص يقف وينظر إلى الكاميرا.
كان عادل نفسه.
أغلق الصورة بسرعة.
لكن منذ ذلك اليوم، بدأ شيء غريب يحدث.
كل ليلة، في تمام الساعة الثانية وثلاث عشرة دقيقة، يستيقظ عادل على ضوء قوي يدخل من نافذة غرفته.
ينظر إلى الخارج.
لا توجد منارة.
ولا بحر.
لكن الضوء موجود.
وفي كل مرة يظهر معه صوت بعيد يشبه صوت سفينة.
ثم تأتي رسالة على هاتفه من رقم مجهول.
لا تحتوي على أي كلمات.
فقط صورة.
صورة لمنارة بيضاء وسط بحر مظلم.
وفي كل صورة، يكون عادل أقرب إليها.
حتى جاءت الصورة الأخيرة.
كانت المنارة أمام منزله مباشرة.
وعادل واقف عند بابها.
وفي الخلفية، كانت عشرات السفن تنتظر.
وفي أسفل الصورة ظهرت جملة واحدة:
**"هذه المرة… أنت الذي ستشغل الضوء."**
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق