In this article

صدى العظام الحية
صوت من خلف المادة
صوت من خلف المادة
لم تكن الظلمة تحت سطح الأرض في حي الجمالية مجرد غياب للنور، بل كانت مادة ثقيلة تتنفس. كان "ياسين" يقضي يومه الأربعين في سرداب مرممي الوثائق، تحيط به روائح الورق المتهالك، والأحبار القديمة التي جفت منذ قرون. كانت مهمته محددة: تفريغ وفهرسة مقتنيات حجرة مغلقة منذ عام 1890.
في منتصف الليلة الأولى من أسبوعه الأخير، بين صندوقين خشبيين تعلوهما طبقة سميكة من الشمع الأسود، وجد صندوقاً معدنياً صغيراً. داخل الصندوق، كانت تربض ست أسطوانات شمعية سوداء—من تلك التي كانت تُستخدم في أوائل أيام اختراع الفونوغراف—ومعها جهاز تشغيل يدوي يعمل بالزُنبرك، بدا وكأنه صُنِع لغرض آخر غير الموسيقى.
لم يكن على الأسطوانات أي عنوان، باستثناء أرقام محفورة بإبرة دقيقة. أعدّ ياسين الجهاز، وضع الأسطوانة الأولى، وأدار الذراع.
صدر صوت احتكاك الإبرة بالشمع، صرير دافئ يعود لبدايات القرن الماضي. ثم جاء الصوت.
لم يكن صوت غناء، ولا خطبة قديمة. كان خرير مياه، يليه صوت أنفاس متقطعة. ثم نطق الصوت بنفس النبرة واللكنة التي يتحدث بها ياسين تماماً، لكن ببطء مرعب:
"الساعة الآن الثانية صباحاً. ياسين يفكر في إطفاء المصباح، لكنه يخاف أن يلتفت فيرى الصندوق المفتوح خلفه."
تجمد ياسين في مكانه. تجمد الدم في عروقه. سحب الإبرة بسرعة، فتوقف الصوت. تطلع حوله في السرداب؛ كل شيء كان ساكناً. كيف يمكن لأسطوانة صُنعت قبل أكثر من قرن أن تذكر اسمه؟ كيف تعرف ما يفكر فيه في هذه اللحظة بالذات؟
سيطر عليه الذهول والفضول المسموم. أعاد الإبرة إلى نفس الموضع على الأسطوانة.
استمر الصوت، وهذه المرة كان يهمس بأسماء أشخاص لم يخبر عنهم أحداً: "هو يعرف أن خطأه في الحادث القديم لم يكن مجرد صدفة. هو يعرف لماذا يكره لون الدم."
شعر ياسين ببرودة تسري في نخاع عظامه. الأسطوانة لم تكن تسجيلاً للماضي، بل كانت جهازاً لالتقاط ما وراء المادة—كانت تسجيلاً لحاضر يتشكل أمامها. والأرعب من ذلك، أن الصوت الصادر من الفونوغراف لم يكن يأتي من البوق النحاسي فقط؛ بل كان يخرج ببطء من الفراغ القائم خلف أذنيه مباشرة.
حاول أن يقف ليغادر السرداب، لكن قدميه لم تسعفاه. نظر إلى الأسطوانة الشمعية وهي تدور، ثم لاحظ شيئاً جعل قلبه يتوقف تماماً: لم تكن الإبرة تحفر خطوطاً في الشمع لتستخرج الصوت... بل كانت الإبرة تحفر أسطر كلام جديد في المادة الشمعية أثناء دورتها، كأن الصوت يُكتب ويُسجل في نفس لحظة سماعه.
على الأسطوانة التالية، رأى اسمه يحفر نفسه بخطوط دقيقة أمام عينيه تحت ضوء المصباح الضئيل.
جاء الهمس هذه المرة أسرع، وأكثر حشرجة، وكأن صاحبه يقف على بعد إنش واحد من رقبته:
"الآن... هو يدرك أن الأسطوانة لا تسجل ما يفكر فيه فحسب، بل تسجل خطوات الشبح الذي ظل يتبعه منذ أن فتح الصندوق... الشبح الذي يقف الآن خلفه ويده على كتفه."
قبل أن يتمكن ياسين من الالتفات، شعر ببرودة يد ثقيلة تسقط على كتفه الأيسر.
Keep up with Body Gaming
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment