دماء على أجنحة الفينيق

رواية: دماء على أجنحة الفينيق
الفصل الاول: دماء على ريشه ذهبية
انفجر ليل إيزوريث الأسود بصمتٍ قاتل. في أعلى برج القلعة، حيث القمر الأسود يلفّ الغرفة بلوعةٍ أشبه بجنازة، رقدت الأميرة على بساط من دماء متحجّرة. لم تكن مجرد جريمة... بل نبوءة مكتوبة بخطّ الشيطان. عند قدميها، ثلاث وردات سوداء نبتت من الدم، بتلاتها تتجه كسهام نحو الباب الغربي. وفي صدرها، الريشة الذهبية تتألق وكأنها شمس سجينة، ترفض أن يلوثها دم الأميرة.
"انظري!" همس كايل للحارسة لورين، صوته يكاد ينكسر، "الدم يهرب منها... كأنها لعنةٌ ترفض الموت!" لكن الأرض قُرب رأس إيزوريث أخبرت سراً آخر: رموز من دمٍ جاف تُشكل جملةً غامضة: > "مَنْ يسرق الريشة يُحرر الساحرة... ومَنْ يلمسها يُذبح بالورود!" وفجأةً... قطرة دمٍ تسللت! وعلى الأرض حيث سقطت، وردة سوداء صغيرة نمت كصرخة..انحنى كايل مذهولاً وهو يشاهد قطرة دمه تسقط من كتفه الخفي الجرح. قبل أن تلامس الأرض، ارتجّ البلاط الرخامي كأن القلب ينبض تحت قدميه! ثم... انشقت الأرض! ليس شقاً عادياً... بل كـ فمٍ أسود يصعد منه ساقٌ شائكٌ! في ثانيتين فقط، تفتحت وردةٌ سوداء بحجم كفّ طفل... بتلاتها تنبض كحلقوم غاضب، وأوراقها تُشكل صورةَ جرح كايل نفسه! صاحت لورين: "إنها نسخةٌ من جرحك!" لكن الصاعق كان في لون البتلات: حافتها قرمزية كالدم الطازج... تماماً مثل الورود الثلاث عند قدمي الأميرة المقتولة! الاستمرار بعد الصدمة ارتعد كايل: "هذا يعني..." قطعت لورين كلامه بصرخة: "يعني أن اللعنة بداخلك الآن! وأنت التالي إن..." انطفأت الشموع فجأة. في الظلام الدامس، سمعا صوت تمزيق ورق... ثم وميض أخضر كشف أن النافذة المكسورة...مُلصق عليها وَرَدة سوداء مقطوعة، وعليها كتابة مُلصق عليها وَرَدة سوداء مقطوعة، بتلاتها مجففة كأنها تحمل ذكريات صرخة."من... من فعل هذا؟" تمتمت لورين، وصوتها يرتجف.في تلك اللحظة، لمعت عين كايل في الظلام. لم يكن يرى الورود أو الدم، بل كان يرى ظلالاً تتراقص على جدران الغرفة، ظلالاً لم تكن لتُرى إلا بسحرٍ قديم، سحرٍ فقده منذ زمن. "إنها... إنها ليست مجرد وردة، لورين. إنها علامة." "علامة على ماذا؟" سألت لورين، وهي تتقدم بحذر نحو النافذة، محاولةً تفسير ما يراه كايل."علامة على أننا لسنا وحدنا هنا،" أجاب كايل، وعيناه تتسع وهو يحدق في الظلام المتزايد. "وأن هذا القاتل... ليس مجرد إنسان." وفجأة، انفتح الدرج السري تحت النافذة بصوتٍ مكتوم. لم يكن هناك وقت للتفكير. دفع كايل لورين نحوه، وقال: "ادخلي! بسرعة!" اندفعت لورين إلى الداخل، ثم تبعها كايل، ليجد نفسهما في ممرٍ ضيقٍ مظلم، بالكاد يتسع لشخصين. أغلق كايل الدرج خلفه، وهمس: "الآن، علينا أن نعرف من يختبئ في الظلام... قبل أن يختفي الظلام بنا في الممر الضيق، لم يكن هناك سوى صوت أنفاسهما المتسارعة. الهواء كان ثقيلاً، يحمل رائحة غبار قديم ورطوبة عميقة. ضوء خافت جداً بالكاد يتسلل من شقوق الدرج الذي أغلقه كايل، بالكاد يكفي لرؤية الحجارة الباردة التي تحيط بهما. "كايل، هل أنت متأكد من أن هذا هو الطريق الصحيح؟" همست لورين، صوتها بالكاد مسموع، وهي تتشبث بذراع كايل. "لا أعرف،" أجاب كايل بصوت هادئ، رغم أن قلبه كان يدق بعنف. "لكن البقاء في الأعلى مع تلك الظلال والوردة المُلصقة... كان أسوأ." تقدم كايل ببطء، تتحسس جدار الممر بيده. بعد خطوات قليلة، شعر بوجود فتحة في الجدار أمامه. كانت أضيق من الدرج، بالكاد يمكن أن يمر منها شخص واحد. "لورين، يبدو أن هناك طريقاً آخر هنا. ابقي قريبة مني." بينما كان كايل يحاول فتح الفتحة، سمع صوت خطوات خفيفة تأتي من خلفهما، من جهة الدرج المغلق. لم تكن خطوات بشرية عادية... كانت أشبه بحفيف أوراق جافة تداعب الأرض. "إنهم هنا!" صاحت لورين، وهي تدفع نفسها بقوة نحو الفتحة. تمكن كايل من فتحها بصعوبة، ودفع لورين عبرها. قبل أن يدخل هو، لمح في الظلام لمحة سريعة لشيء لامع... شيء أحمر داكن، يشبه بتلات وردة، يتلاشى بسرعة في الظلام.
"ما هذا؟" تساءل بصوتٍ ضعيف، لكن لم يكن هناك وقت للإجابة. اندفع كايل عبر الفتحة، ليجد نفسه في غرفة صغيرة أخرى، لكن هذه المرة كانت أكثر اتساعاً بقليل. في وسط الغرفة، كان هناك طاولة خشبية قديمة، وعليها... ريشة ذهبية أخرى. لكن هذه الريشة لم تكن تتألق مثل الريشة التي رأوها عند الأميرة. كانت باهتة، وعليها بقع داكنة، وكأنها بدأت في الذبول. "ريشة أخرى؟" قالت لورين بدهشة. "ماذا يعني هذا؟" نظر كايل حوله، وعيناه تبحثان عن أي شيء آخر. وفي زاوية الغرفة، رأى شيئاً غريباً.
.. صندوق خشبي قديم، مفتوح قليلاً. ومن داخل الصندوق، كانت تخرج خيوط رفيعة جداً، تشبه خيوط العنكبوت، لكنها كانت سوداء كالليل.
"لورين، ابتعدي عن الصندوق." لكن قبل أن تسمع لورين، اقتربت من الصندوق بدافع الفضول. وفي اللحظة التي مدّت فيها يدها، انطلقت الخيوط السوداء بسرعة البرق، والتفت حول معصمها.
"آه!" صرخت لورين، وهي تحاول سحب يدها. "لورين!" صاح كايل، وركض نحوها. لكن عندما وصل إليها، وجدها تقف جامدة، وعيناها تحدقان في الفراغ، وبتلات وردة سوداء بدأت تتفتح ببطء على بشرتها…