دماء علي اجنحة الفينق
الفصل الثاني: خيوط الظلام وريشة الحقيقة

...بتلات وردة سوداء بدأت تتفتح ببطء على بشرتها.
وقف كايل مذهولاً، قلبه يكاد يتوقف من الرعب. لورين، التي كانت قبل لحظات فقط تشاركه الخوف والترقب، أصبحت الآن تبدو وكأنها تمثال من الشمع، عيناها مفتوحتان لكن بلا حياة، وبتلات الوردة السوداء تنتشر كأنها وشم غامض على جلدها.
"لورين! لورين، أرجوكِ ردي عليّ!" حاول كايل هزها بلطف، لكن جسدها كان بارداً وصلباً. نظر إلى الصندوق الخشبي، والخيوط السوداء التي كانت تخرج منه قد انكمشت الآن، وكأنها عادت إلى مخبئها.
هل هذه هي نتيجة الاقتراب من الصندوق؟ أم أن الخيوط نفسها هي التي تسببت في هذا التحول؟ لم يكن لديه وقت للتفكير. يجب أن يجد حلاً، وأن يفهم ما يحدث، قبل أن يتحول الظلام الذي يهدد بالتهامهما إلى واقع ملموس.
تذكر الريشة الذهبية الباهتة على الطاولة. اقترب منها، وامسكها بحذر. كانت لا تزال تحمل بقايا دفء خافت، لكنها كانت مغطاة ببقع داكنة غريبة. هل كانت هذه الريشة مرتبطة بما حدث للورين؟ هل كانت تحمل جزءاً من الحقيقة؟
وفجأة، سمع صوتاً خافتاً، قادماً من مكان ما في الغرفة. لم يكن صوت خطوات، بل كان أشبه بهمهمة مكتومة، أو أغنية قديمة تُغنى من بعيد. بدأ كايل يتتبع الصوت، وعيناه تبحثان في أركان الغرفة المظلمة.
قاده الصوت إلى جدار حجري، بدا عادياً في البداية. لكن عندما وضع كايل يده عليه، شعر بوجود نقوش خفية تحت أصابعه. كانت هذه النقوش تشكل رسماً معقداً، يشبه شجرة غريبة ذات أغصان ملتفة، وفي وسطها... عين.
"عين..." تمتم كايل.
بينما كان يتفحص النقوش، انزلقت يده على جزء من الجدار بدا وكأنه مفتاح. ضغط عليه، فصدر صوت طقطقة خافت، وبدأ جزء من الجدار يتحرك ببطء، ليكشف عن ممر آخر، أضيق من الأول، ويؤدي إلى ما يبدو أنه غرفة صغيرة أخرى.
هذه المرة، لم يكن هناك ظلام دامس. كان هناك ضوء خافت، قادم من مصدر غير مرئي، يلقي بظلال غريبة على الجدران. وبينما كان كايل يستعد للدخول، سمع همسة قادمة من خلفه، من جهة لورين.
"لا... تذهب... وحدك..."
التفت كايل بسرعة. كانت لورين، التي كانت تبدو بلا حياة قبل لحظات، قد فتحت عينيها ببطء. لم يكن فيهما الحياة المعهودة، بل كانتا تحملان بريقاً غريباً، أشبه ببريق الريشة الذهبية الباهتة.
"لورين! أنتِ... أنتِ بخير؟" سأل كايل، مزيج من الأمل والشك في صوته.
ابتسمت لورين ابتسامة باهتة. "أنا... مختلفة الآن. خيوط الظلام... لم تدمرني. بل... فتحت عيني."
ثم نظرت إلى الممر الجديد، وقالت بصوتٍ أعمق قليلاً من المعتاد: "الحقيقة... ليست خلف هذا الجدار فقط، كايل. إنها فينا أيضاً."
كان كايل في حيرة من أمره. هل كانت لورين لا تزال لورين؟ أم أن شيئاً آخر قد استقر بداخلها؟ لكن بغض النظر عن ذلك، كان يعلم أنه لا يستطيع تركها، أو ترك هذه الغرفة الغامضة.
"حسناً، لورين،" قال كايل، وهو يمد يده ليساعدها على الوقوف. "إذا كانت الحقيقة فينا، فدعينا نكشفها معا.
ما إن وقفت لورين على قدميها حتى تغيّر الهواء مرةً أخرى.
الممر الجديد لم يكن امتدادًا للمكان…
بل نزولًا داخله.
خطت الخطوة الأولى، فارتدّ الصدى وكأنه تنفّس.
رائحة الممر كانت أثقل من السابق:
رماد دافئ، معدن محروق، وشيء حاد يلسع الأنف…
رائحة فينيق لم يُبعث.
الجدران انحنت قليلًا إلى الداخل، كأنها تضيق عمدًا على من يمر.
لم تكن حجارة صمّاء، بل محفورة بريشٍ متداخل،
ريش طويل، متقوّس، أطرافه حادة،
بعضه ذهبيّ اللون…
لكن الذهب كان مطفأً، كأن الضوء انسحب منه خوفًا.
همست لورين، وصوتها بدا كأنه قادم من مكان أبعد منها:
“ده مش نقش…”
“دي مراحل.”
اقترب كايل من الجدار، يمرر أصابعه بحذر.
لاحظ أن بعض الريش مكسور…
وبين الكسور،
ظهرت جماجم.
ليست موضوعة للترهيب.
بل مدموجة في الحجر، كأن الممر ابتلعها.
جماجم صغيرة، كبيرة، وبعضها مائل الشكل،
وعلى جباهها شقوق دقيقة…
تشبه آثار أصابع.
"حد كان بيعدّي هنا كتير…" قال كايل بصوت منخفض.
“والمكان كان بيفتكره.”
كلما تقدّما، بدأ الممر يميل قليلًا إلى الأسفل.
السكون لم يعد كاملاً.
كان هناك صوت خافت…
كاحتكاك ريش ببعضه.
وفجأة توقفت لورين.
الوردة السوداء على ذراعها نبضت بقوة،
واندفع إلى عقلها مشهد خاطف:
غرفة ملكية…
الأميرة واقفة، لم تكن خائفة…
بل مصدومة.
وصوت رجل تعرفه، يقول بهدوء بارد:
“مش لازم تموتي… بس لازم تختفي.”
شهقت لورين.
“كايل…”
التفت إليها فورًا.
“شفتي إيه؟”
ترددت لحظة، ثم قالت:
“اللي سرقها… كان داخل القصر كأنه صاحبه.”
وصلوا إلى قوس حجري في نهاية الممر.
فوقه رمز الفينيق، لكن جناحيه مربوطان بسلسلة.
وتحت الرمز كتابة محفورة حديثًا مقارنةً ببقية الجدران:
> «الخيانة لا تترك دمًا… تترك طريقًا.»
أسفل الجملة،
آثار خطوات.
لم تكن كثيرة.
ولا متخبطة.
خطوات شخص يعرف إلى أين يذهب.
انحنى كايل، لمس الأرض، ثم قال ببطء:
“دي مش خطوات هارب…”
“دي خطوات واحد نفّذ اللي هو عايزه… ومشي.”
في داخل القاعة التالية،
لم تكن هناك سلاسل ولا أدوات تعذيب.
فقط شيء واحد في المنتصف:
منديل ملكي أبيض…
مطوي بعناية.
رفعته لورين.
وفي زاويته، خيط ذهبي دقيق،
ونقش صغير لا يُخطئه أحد من القصر:
علامة جناح مائل.
ساد الصمت،
لكن الصمت هذه المرة لم يكن فراغًا…
كان انتظارًا.
اهتزّ المنديل الملكي فجأة بين أصابع لورين،
كأن خيطه الذهبي شدّ نفسه وحده.
وفي اللحظة نفسها،
انطفأت كل الزخارف الذهبية في القاعة دفعة واحدة.
الريش المنحوت على الجدران اسودّ،
والجماجم أطلقت صوت طقطقة خافت،
كأنها تتبادل نظرات لم يعد البشر جزءًا منها.
قال كايل ببطء، وكأنه يخاطب المكان لا لورين:
"اللي مشي من هنا…
كان عايزنا نوصل للاسم ده."
وقبل أن ترد،
انشقّ الهواء عند أطراف القاعة.
ليس شقًا مرئيًا،
بل تشوّهًا…
كأن الضوء نفسه انضغط.
ظهر ظل إنسان للحظة واحدة فقط.
ملامحه غير واضحة،
لكن على صدره…
لمع رمز مألوف.
جناح.
مائل.
اختفى الظل قبل أن يُرى كاملًا،
لكن أثره بقي.
برد مفاجئ.
وارتعاشة في الوردة السوداء على ذراع لورين،
ليست نبوءة…
بل تحذير جسدي.
في اللحظة التالية،
دوّى صوت في أرجاء القصر،
ليس صراخًا،
بل نبضًا هائلًا
كأن شيئًا ضخمًا حرّك جناحيه بعيدًا… بعيدًا جدًا.
رفعت لورين رأسها ببطء.
“إنت حسّيت بده؟”
أجاب كايل دون أن ينظر إليها:
“آه…”
ثم أضاف بصوت منخفض، مشدود:
"وده معناه إن اللي خد الأميرة…
لسه ما خلصش لعبته."
انطفأ الضوء تمامًا.
وعندما عاد،
كان المنديل قد تحوّل إلى رماد.
والقاعة…
لم تعد كما كانت.
فقط جملة واحدة جديدة ظهرت على الجدار،
محفورة بعمق لم يكن موجودًا قبل لحظات:
«اللي تشوفه دلوقتي… مش اللي هتدفع تمنه.»
نظرت لورين إلى كايل.
ولأول مرة،
شعرت أن التحقيق لا يقودهما…
بل يقودهما شخص آخر، بخطوات محسوبة.
وفي مكانٍ ما داخل القصر،
كان شخص يبتسم،
وهو يتركهم يصدقون
أقرب كذبة للحقيقة.